قلنا: وضع المخلاة لا يكون مستحقا له على دابة الغير بسبب في الأصل، وكان من ضرورة القضاء بالدابة لصاحب العمل أمر الآخر برفع المخلاة، أما هاهنا حق وضع الجذع يثبت له على حائط بأن كان ذلك مشروطًا في أصل القسمة، فليس من ضرورة الحكم لصاحب الاتصال استحقاق رفع الجذع على الآخر، وهذا بخلاف ما لو أقام أحدهما البينة وقضى له؛ حيث يؤمر برفع جذوعه عن ملكه؛ لما ذكرنا.
قوله:(فالساحة) بالحاء المهملة، وهو عرصة في الدار وبين يديها.
(لاستوائهما في استعمالها) أي: استعمال الساحة؛ لأن استعمال الساحة للمرور، ووضع الأمتعة أيضًا، وصب الوضوء وكسر الحطب، وهما في ذلك سواء، ولعل مرور صاحب القليل أكثر لزمانة صاحب الكثير، وكون صاحب القليل وَلاجًا وخرَّاجًا، على أن الترجيح لا يقع بكثرة ما هو من جنس العلة، وصار كالطريق يستوي فيه صاحب المنزل والدار والبيت؛ وهذا لأن الاستحقاق باعتبار أصل اليد؛ ألا ترى أنهما لو تنازعا في ثوب وعامته في يد أحدهما وفي يد الآخر طرف منه؛ يقضى بينهما؛ لما أن أصل اليد حجة للاستحقاق، فالقليل فيه يساوي الكثير، وكما لو أقام أحدهما شاهدين والآخر أربعة، فهما سواء، وبقولنا: قال الشافعي وأحمد.
فإن قيل: لو أقام أحدهما شاهدًا والآخر شاهدين يقضى بالكثرة، وكذا لو كان في يد أحدهما [ثوب](١) وفي يد الآخر هُدْبُهُ؛ يقضى للذي في يده، فهذا ترجيح بالكثرة، وكذا لو أخبر عدلان بطهارة الماء، وعدل واحد بنجاسته؛ يحكم بطهارته، وهذا ترجيح بالكثرة، وكذا لو تنازعا في حائط، ولأحدهما عليه جذوع ولآخر جذع؛ فهو لصاحب الجذوع وهذا ترجيح بالكثرة، وكذا لو تنازعا في الشرب يقسم بينهما على قدر الأراضي، بخلاف مسألة الكتاب ففي الكل ترجيح بالكثرة.