للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَلِأَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّ الأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الأَمْوَالِ فَيَجْرِي فِيهَا البَذْلُ، بِخِلَافِ الْأَنْفُسِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَهَذَا إِعْمَالُ لِلْبَذْلِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لِعَدَمِ الفَائِدَةِ، وَهَذَا البَذْلُ مُفِيدٌ لِانْدِفَاعِ الخُصُومَةِ بِهِ فَصَارَ

ولأبي حنيفة: أنما يستحلف في النفس وإن كان لا يقضى بالنكول؛ لأن اليمين حق مقصود لتعظيم أمر الدم، واليمين مهلكة معنى، صالحة للتعظيم، ولهذا شرعت مكررة في القسامة، فإذا نكل فقد امتنع من إيفاء حق مقصود، فيحبس إلى أن يحلف أو يقر، كما إذا التعن الزوج ونكلت المرأة عن اللعان.

وفي سائر ما تقدم اليمين ليس بحق مقصود، وإنما المطلوب منه القضاء بالنكول، فما لا يجوز القضاء فيه بالنكول لا يشتغل بالاستحلاف فيه. كذا في جامعي شمس الأئمة وفخر الإسلام.

(أما الأطراف يسلك بها مسلك الأموال) من حيث إن الأطراف خلقت وقاية للأنفس كالأموال، فلما كان كذلك جرى البدل في الأطراف كما في الأموال، ولهذا لو قال: اقطع يدي فقطعه لا يضمن شيئًا، وهذا إعمال للبذل، بخلاف الأنفس حيث لا يجري البذل فيها، ولهذا لو قال لآخر: اقتلني فقتله يؤخذ بالقصاص في رواية.

وفي التتمة: تجب الدية في قول علمائنا الثلاثة. ذكره التمرتاشي.

وقوله: (هذا إعمال للبذل) إشارة إلى عدم الضمان.

وقوله: (إلا أنه لا يباح القطع)، جواب إشكال، وهو أن يقال: لو كان الأطراف كالأموال ينبغي أن يباح القطع بالبذل كما يباح المال بالبذل، فقال في جوابه: (إنما لا يباح القطع لعدم الفائدة) كما هو في المال كذلك بأن قال: ألق مالي في البحر، أو أحرقه، حيث لا يباح إليه أشار فخر الإسلام.

ولهذا لو كان القطع مفيدًا بأن وقع في يده أكلة، فقال لآخر: اقطع يدي حل له قطعه، ولو قطعه لا يجب عليه شيء، والبذل هاهنا مفيد؛ لأنه يصير متورعًا عن اليمين الصادقة، وتندفع خصومته عنه، فصار كقطع السن للوجع، وبخلاف القطع في السرقة، فإن القطع فيها خالص حق الله تعالى فلا يثبت مع

<<  <  ج: ص:  >  >>