فدل أن جنس الأيمان على المنكر كما ذكرنا، وادعى زيد بن ثابت عند عثمان على ابن عمر أنه باعه عبدًا يعلم عيبه، فقال عثمان لابن عمر: احلف: ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد، ولم يرد اليمين.
وما روي غريب لا يعارض الحديث المشهور، مع أنه يحتمل أنه ﵇ رد اليمين عليه برضا المدعى عليه صلحًا، ولأن اليمين واجبة عليه بالحديث، وترك هذا الواجب دليل على أنه باذل حق المدعي عند أبي حنيفة، أو مقر بحقه عندهما؛ إذ لو لم يكن كذلك لأقدم عليها تَفَصِّيًا (١) عن عهدة الواجب، ودفعًا للضرر عن نفسه، والشرع ألزمه التورع عن اليمين الكاذبة دون الترفع عن اليمين الصادقة، فترجح جانب التورع في نكوله، فيكون النكول إما بذلا أو إقرارًا، ولا يجوز أن يكون لاشتباه الحال؛ إذ لو كان كذلك لاستمهل من القاضي؛ لينكشف عليه الحال.
(لما قدمنا) إشارة إلى قوله ﵇: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» الحديث.
وما روي أن عثمان ادعى مالا على المقداد عند عمر، فقال المقداد: ليحلف عثمان لي ويأخذ حقه (٢)، فقال عمر: لقد أنصف المقداد.
وما روي عن علي أنه حَلَّف المدعي بعد نكول المنكر ليس بحجة للخصم؛ لأن المقداد ادعى الإيفاء على عثمان، أو كان ذلك برضا المقداد، وما روي عن علي كان بناء على مذهبه أنه يُحَلِّف المدعي مع تمام حجة القضاء بالبينة، أنه كان يحتمل أنه كان ذلك برضا المدعى عليه صلحًا.
وفي المبسوط والأسرار: مذهبنا مؤيد بإجماع الصحابة، وروى عن علي
(١) تخلصا. (٢) بعدها في الأصل: (فقال حقه)، والسياق المثبت من النسخة الثانية.