فإن قيل: يشكل هذا بما إذا ادعى المديون دفع الدين إلى وكيل رب الدين، ثم حضر رب الدين وأنكر الوكالة - فالقول له، على ما مر في باب الوكالة، مع أن المديون يدعي البراءة.
قلنا: المديون يدعي البراءة هاهنا بعد الشغل، فكان الشغل أصلا، والبراءة عارضًا، أما في رد الوديعة فالبراءة أصل والشغل عارض، كما ذكرنا، فكان القول له.
قوله:(حتى يذكر شيئًا معلومًا)، اعلم أن الدعوى نوعان: صحيحة وفاسدة، والفاسد ما لا تتعلق به الأحكام ببيانها، وفساد الدعوى إما ألا تكون ملزمة شيئًا على الخصم، أو يكون المدعى مجهولا في نفسه، ولا نعلم فيه خلافا إلا في الوصية، فإن الأئمة الثلاثة يُجَوِّزون دعوى المجهول في الوصية، فإن ادعى حقا من وصية أو إقرار، فإنهما يصحان بالمجهول، وتصح دعوى الإبراء بالمجهول بلا خلاف، ولا يُشترط لسماع الدعوى المخالطة والمعاملة، ولا فرق فيه بين طبقات الناس.
وعن مالك: لا تُسمع دعوى الدنيء على الشريف إذا لم يُعرف بينهما سبب.
وفي الذخيرة: فإن كان المدعى مكيلًا لا بد من ذكر جنسه بأنه حنطة أو شعير، ويذكر مع ذلك نوعه: أنها سَقِيَّة أو برية أو ربيعية، ويذكر مع ذلك صفتها، كالحنطة البيضاء والحمراء، ويذكر أنها جيدة أو رديئة، ويذكر قدرها بالكيل بأنها كذا قفيزا، بقفيز كذا؛ لأن القُفْزان تتفاوت في ذاتها، ويذكر سبب الوجوب؛ لأن أحكام الدين تختلف باختلاف أسبابها، فإنه إذا كان بسبب السلم يحتاج إلى بيان مكان الإيفاء؛ ليقع التحرز عن الاختلاف، ولا يجوز الاستبدال به قبل القبض، وإن كان من ثمن بيع يجوز الاستبدال به قبل القبض، ولا يشترط بيان مكان الإيفاء.
قوله:(وكذا في الشهادة) أي: يكلف المدعى عليه بإحضار المدعي ليشير إليه