للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اسْتِيفَاءُ المُوَكِّلِ أَوْ إِبْرَائِهِ تُقْبَلُ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَا يَكُونُ خَصْمًا وَهُوَ رِوَايَةُ الحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (*)، لِأَنَّ القَبْضَ غَيْرُ الخُصُومَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى المَالِ يَهْتَدِي

وبه قال الشافعي في قول، وأحمد في رواية. وقال الشافعي في الأصح، وأحمد في ظاهر الرواية: لا يملك، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهذا الخلاف في الوكيل بقبض الدين، أما الوكيل بقبض العين لا يملك الخصومة باتفاق أصحابنا، وللشافعي وأحمد فيه وجهان كما في قبض الدين، ويجيء بعد ذلك.

وهذا يرجع إلى أصل، وهو أن التوكيل بقبض الدين توكيل باستيفاء الحق شرعًا عندهما، ولهذا لو قبض أحد الشريكين شيئًا من الدين المشترك كان للآخر أن يشاركه فيه، ومعنى التمليك ساقط في الحكم، وعند أبي حنيفة القبض في الدين يُملك؛ إذ الديون تُقض بأمثالها، فيصير للقبض حكم المبادلة، والتمليك إنشاء تصرف، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد، فكان خصمًا فيها.

وإذا ثبت هذا فهما يقولان: التوكيل بقبض الدين توكيل باستيفاء عين حقه حكمًا، ومعنى التمليك ساقط حكمًا، حتى كان له أن يأخذه بلا قضاء ولا رضا، كما في الوديعة والغصب، فلا ينتصب خصمًا، كما في الوكيل بقبض العين.

وأبو حنيفة يقول: التمليك في القبض حقيقة؛ لما أن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، ولأن الشرع جعل ذلك طريقا لاستيفاء عين حقه، ولهذا يجبر على الأداء، ولو كان مبادلة محضًا لما أجبر، ولا يملك الأخذ متى ظفر محض حقه، فانتصب خصمًا، كالوكيل بأخذ الشفعة، والرجوع في الهبة، والشراء، والقسمة، والرد بالعيب بأن وكل المشتري رجلًا برد المبيع على البائع بالعيب يكون الوكيل خصمًا في هذه الصور، حتى لو أقام المشتري على وكيل الشفيع بينة أن موكله سلمها يجوز بالاتفاق، وكذا لو أقام الموهوب له البينة أن الواهب الموكل أخذ عوضًا يسمع، وكذا [لو] (١) أقام أحد الشريكين بينة على الوكيل أن موكلك أخذ نصيبه يقبل؛ لأنه خصم، وكذا لو أقام البائع البينة عليه على أن المشتري الموكل رضي بهذا العيب يقبل؛ لأنه خصم.


(*) الراحج: قول أبي حنيفة.
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>