وأحمد (١) يُجوز له استيفاء القصاص والقذف في غيبة الموكل؛ لأنه حق العبد، ويجوز استيفاؤه في حضوره، فكذا في غيبته.
وقلنا: إنه عقوبة تسقط بالشبهات، وشبهة العفو ثابتة في حال غيبته؛ لجواز أن الموكل قد عفا بنفسه، والوكيل لا يشعر به، بل هو الظاهر؛ إذ العفو مندوب إليه شرعًا، قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] بخلاف ما لو كان الموكل حاضرًا؛ لأنه لا تتمكن فيه شبهة العفو، وقد يحتاج الموكل إلى ذلك؛ لقلة هدايته في الاستيفاء، أو لأن قلبه لا يحتمل ذلك، وبخلاف الاستيفاء في غيبة الشهود؛ لأن رجوعهم نادر؛ إذ الأصل في العدول الصدق.
قوله:(وليس كل أحد إلى آخره) جواب إشكال، وهو أن يقال: لما حضر الموكل لم يحتج إلى التوكيل باستيفاء القصاص؛ بل يستوفيه بنفسه؛ لما أن في التوكيل شبهة البدلية، واستيفاء القصاص مما لا تجرى فيه الأبدال، فأجاب عنه بهذا، وهو ما ذكرنا من قلة هدايته، إلى آخره.
قوله:(وهذا الذي ذكرناه) أي: جواز التوكيل بإثبات كل الحقوق، سواء كان في الحدود والقصاص، أو غيرها (قول أبي حنيفة) وبه قالت الأئمة الثلاثة (٢)، وعند أبي يوسف: لا يجوز في إثبات الحدود والقصاص.
في المبسوط: وكل رجلا بطلب قصاص في نفس أو ما دونها - لا يجوز، وإن وكله بإقامة البينة على ذلك جاز عند أبي حنيفة ومحمد، إلا عند أبي حنيفة عند مرض الخصم أو غيبته، وعند محمد على كل حال، وبه قالت الأئمة