الاستيفاء بأنفسهما، فيملكان التفويض إلى غيرهما قياسًا على سائر حقوق العباد.
وعن أبي حنيفة (١): لا يجوز، فوجهه ما ذكر في الكتاب، ولأن حكم الحكم بمنزلة الصلح، فما يجوز استحقاقا بالصلح يجوز التحكيم فيه، وما لا فلا، ولا يجوز استيفاء الحد والقصاص بالصلح فلا يجوز التحكيم فيهما، وقال الشافعي (٢) في قول: لا يجوز في غير الأموال، ويجوز في الأموال وما في معناها، وبه قال مالك (٣)، حتى لا يجوز في حد ولا في لعان ولا في قصاص وقذف أو طلاق أو إعتاق أو نسب أو ولاء؛ لأنها مبنية على الاحتياط، فيعتبر القاضي المولى، كالحدود.
قوله:(في سائر المجتهدات) نحو الكنايات بأنها رواجع، والطلاق المضاف، وهو الظاهر عند أصحابنا، لكن مشايخنا امتنعوا عن هذه الفتوى، وقالوا: يحتاج إلى حكم المولى، كما في الحدود والقصاص؛ كيلا يتجاسر به العوام. كذا ذكره الصدر الشهيد في أدب القاضي (٤).
وفي الذخيرة (٥) وفتاوى العتابي: يجوز حُكْمَ الحكم في اليمين المضافة؛ لكن لا يفتي كيلا يتجاسر الناس، وجوزوا ذلك بإطلاق القاضي الشافعي المذهب، والأحسن لهذا القاضي أن يقول: أبطلت هذه اليمين، ونقضت هذا الطلاق عملا بقوله ﵇:«لَا طَلاقَ قَبْلَ النِّكاح»(٦) وأخذا بقول من يقول من الصحابة به.
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١١)، المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ١٢٣). (٢) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ٣٢٥)، روض الطالبين وعمدة المفتين (١١/ ١٢١). (٣) انظر: الذخيرة (١٠/٣٤)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٣٦). (٤) انظر: شرح أدب القاضي (٤/ ٦٣، ٦٤). (٥) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٣/ ١٨٣، ١٨٤). (٦) أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٦٠) رقم (٢٠٤٨) من حديث المسور بن مخرمة ﵁. قال ابن حجر: رواه ابن ماجه بإسناد حسن. التلخيص الحبير (٣/ ٤٥٥)، وقال البوصيري: هذا إسناد حسن. مصباح الزجاجة (٧٢٩).