(وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: زَنَاتَ فِي الجَبَلِ وَقَالَ: عَنَيتُ صُعُودَ الجَبَلِ، حُدَّ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُحَدُّ) (*) لِأَنَّ المَهْمُوزَ مِنهُ لِلصُّعُودِ حَقِيقَةٌ قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ العَرَبِ: وَارْقَ إِلَى الخَيْرَاتِ زناً فِي الجَبَلِ. وَذِكرُ الجَبَلِ يُقَرِّرُهُ مُرَادًا، وَلَهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَعمَلُ فِي الفَاحِشَةِ مَهْمُوزًا أَيضًا
الفاحشة مرادا بمنزلة ما إذا قال: يا زانيء، أو قال: زنأت وذكر الجبل إنما بعين الصعود مرادا إذا كان مقرونا بكلمة على إذ هو المستعمل فيه، ولو قال: زنأت على الجبل قيل: لا يحد لما قلنا. وقيل: يحد للمعين الذي ذكرناه.
قوله: (زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ) بالهمز يحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف وأحمد والشافعي في وجه إذا لم ينو.
وقال محمد والشافعي: لا يحد؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه فيصدق؛ لأن المهموز الصعود حقيقةً، يقال: زَنَا، بالهمز، أي: صعد، كما قال الشاعر (١):
وَارْقَ إِلَى الْخَيْرَاتِ … .
أول الشعر:
أَشْبَهُ (٢) أَبَا أُمِّكَ أَوْ أَشْبِهُ جَمَلْ
ولا تكوننَّ كَهِلَّوْفِ وَكَلْ
يُصْبِحُ في مَنْزِلِهِ قَدِ انْجَدَلْ
وَارْقَ إِلَى الْخَيْرَاتِ زَنْأَ فِي الْجَبَلْ
الجمل: بالجيم، اسم رجل، أي: حي من العرب، وهو جمل بن سعد.
والهلوف: بكسر الهاء وتشديد اللام: الشيخ الهرم.
والكل: العيال، والانجدال: السقوط.
وقوله: (زَنْا فِي الْجَبَلِ) أي: صعودًا، ولهذا لو قال: زنأت الجبل لا يحد، وحرف (في) لا ينافي الصعود كما في البيت، وكما في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فحقيقة ما نوى إن لم يثبت تثبت الشبهة.
(*) الراجح: قول الشيخين.
(١) الرجز لقيس بن عاصم المنقري في لسان العرب (١/ ٩١) (زنا)، (٩/ ٣٥٠).
(٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثالثة.