للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ: (الزِّنَا يَثْبُتُ بِالبَيِّنَةِ وَالإِقْرَارِ) وَالمُرَادُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ الإِمَامِ، لِأَنَّ البَيِّنَةَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَكَذَا الإِقْرَارُ لِأَنَّ الصِّدقَ فِيهِ مُرَجَّحٌ، لَا سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِثُبُوتِهِ مَضَرَّةٌ وَمَعَرَّةٌ،

قلت: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: «أن تَرْنِي بِحَليلَةِ جَارِكَ» (١)، فأنزل الله تعالى تصديقا لقوله : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَيْهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ﴾ [الفرقان: ٦٨]، فأجمع أهل الملل على تحريمه، ويتعلق به الحد.

ثم الزنا شرعًا: إيلاج الفرج في الفرج المُحرَّم قطعًا، المشتهى طبعا إذا انتفت عنه الشبهة.

وفي المحيط (٢): شرط وجوب الحد أن يعلم أن الزنا حرام، وإنما قال: (بالبينة والإقرار)؛ لأنه لا يظهر ثبوته عند القاضي إلا بهذين الوجهين.

لما أن علم القاضي ليس بحجة في الحدود؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وبإجماع الصحابة، وأن القياس يقتضي اعتباره، وبه قال أبو ثور، والشافعي في قول (٣)؛ لأن علمه فوق البينة والإقرار.

وإنما قال: (والمراد بثبوته عند الإمام) أي: الحاكم؛ لأن ثبوته بفعلهما حقيقة لا بالبينة؛ لانفكاك ثبوته عن البينة، بأن يكون الشهود في الواقع كَذَبَةَ، أو يقع الزنا ولم يشهد الشهود، ولكن القاضي مأمور بما ظهر عنده، ولذلك ذكر ثبوته عند الإمام.

قوله: (مَعَرَّة)، في المُغرِب: المَعَرَّة: المساءة والأذى (مَفْعَلَةٌ) من العَرّ، وهو الجرب (٤).

وفي الصحاح: والعُرَّةُ: شَيْن، المَعَرَّة: الإثم (٥).


(١) أخرجه البخاري (٦/١٠ رقم ٤٧٦١)، ومسلم (١/ ٩٠ رقم ٨٦) من حديث ابن مسعود .
(٢) انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٥/٤).
(٣) الأم للشافعي (٧/ ١١٩)، والمجموع شرح المهذب للنووي (٢٠/ ١٦٢).
(٤) المغرب للمطرزي (ص ٣١٠).
(٥) الصحاح للجوهري (٢/ ٧٤٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>