للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَدُسُّ، ففاء ظلالًا، وأضاء هلالًا، وورد مشرعة، وحمل حمل السحاب المقبل مسرعة، ورمى بمريديه على الشريعة حتى سقاهم زلالها، ووقاهم فرق الفرقة وضلالها، وتألقت له الأنوار، فمشى في أضوائها، وتألقت له الأنواء، فسرى في أنوائها، ولم يعدل بليلى حبيبة، ولا عدى نجدًا وكتيبة، خبا لرامة وسفوحها، وآرام وَجْرَةَ وسنوحها، فهمى وهام، ودلّ على وقته السهام.

ولد بقرية بورين، من عمل نابلس، سنة اثنتين وستين وخمسمائة. وسكن القدس، عام أنقذه السلطان من الفرنج سنة ثلاث وثمانين، وساح بالشام، ورأى الصالحين. وكان زاهدًا عابدًا، مخبتًا، قانتًا لله مؤثرًا للخمول والانقباض، صاحب أحوال وكرامات. حكى ابنه الشيخ عبد الله: إنَّ أباه أخبره أن رجلًا من الصديقين اجتمع به ساعة، قال: فلما وقعت يدي في يده انتُزِعَتِ الدنيا من قلبي، ولما نهضت قال لي: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)(١). فجعلت هذه الآية قدوتي إلى الله تعالى، وسلكت بها في طريقي، وجعلتها نُصب عيني لكلِّ شيء قالته لي نفسي. فإن قالت لي: كُل أجوعُ، وإن قالت: نَم، سهرتُ، وإن قالت: استرخ، أتعبتها.

قال ابنه عبد الله: انقطع أبي رحمه الله تعالى تحت الصخرة في الأقباء السليمانية سنة ستين، وصحب الشيخ عبد الله الأرموي، بقية عمره، وعاشا جميعًا مُصْطَحِبَيْن. قال: وحج ثلاث مرات مُحْرِمًا من القدس، فقال: رجعت من الحج، وأنا مريض، لا أستطيع الكلام، فانطرحت في البرية، فجاءني مغربي، فسلم علي، فأومأت له، فقال: قم. فأقامني، وجعل يده تحت جناحي، ثم سار بي يحدثني بما أنا فيه، وبما يكون مني لا أشك أني سائر في الهواء، غير أني قريب من الأرض مقدار ساعة، ثم قال: اجلس، ونم، فنمت و نام معي فاستيقظت فلم أجده!. ووجدت نفسي قريبًا من الشام، وأنا طيب، ولم أحتج بعد ذلك إلى طعام، ولا شراب حتى دخلت بيت المقدس.

قال: [ثم أخذ ولده عبد الله يصف توكله وفناءه ومحبته ورضاه، ومقاماته، وأن أخلاقه كريمة، وهيبته عظيمة، وأنه] (٢) بقي عشرين سنة بقميص واحد، وطاقية على


= مرآة الجنان ٤/ ٢٨، العسجد المسبوك ٢/ ٤٦٨، النجوم الزاهرة ٦/ ٢٩٢، تاريخ الإسلام (السنوات ٦٣١ - ٦٤٠ هـ) ص ١١٨ - ١١٩ رقم ١١٦.
(١) سورة النازعات: الآيتان ٤٠ - ٤١.
(٢) ما بين المعقوفتين من تاريخ الإسلام ص ١١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>