للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المغتسل، ثم سُرِّي عني، وقمتُ، ثم وقع في نفسي أن أخرج من بغداد لكثرة الفتن، فخرجت إلى باب الحلبة، فقال لي قائل: إلى أين تمشي؟!، ودفعني دفعة خررت منها، وقال: ارجع فإن للناس فيك منفعة. قلت: أريد سلامة ديني. قال: لك ذاك، ولم أرَ شخصه.

ثم بعد ذلك طرقتني الأحوال، فكنت أتمنى من يكشفها لي، فاجتزت بالظَّفَرِيَّة، ففتح رجل داره، وقال: يا عبد القادر!، أيش طلبت البارحة؟. فنسيتُ، فسكت، فاغتاظ، ودفع الباب في وجهي دفعة عظيمة، فلما مشيت ذكرتُ فرجعت أطلب الباب، فلم أجده. قال: وكان حماد الدباس، ثم عرفته بعد، وكشف لي جميع ما كان يشكل علي، وكنت إذا غبت عنه لطلب العلم وجئت يقول: أيش جاء بك إلينا؟ أنت فقيه، مر إلى الفقهاء، وأنا أسكت، فلما كان يوم جمعة، خرجت مع الجماعة في شدة البرد، فدفعني ألقاني في الماء، فقلت: غُسل الجمعة، بسم الله، وكان عليَّ حِبَّةُ صوف، وفي كمي أجزاء، فرفعت كُمِّي لئلا تهلك الأجزاء، وخلوني ومشوا، فعصرتُ الجبة وتبعتهم، وتأذيت بالبرد كثيرًا، وكان الشيخ يؤذيني ويضربني، وإذا جئت يقول: جاءنا اليوم الخبز الكثير والفالوذج، وأكلنا وما خبَّأنا لك وحشة عليك!. فطمع في أصحابه، وقالوا: أنت فقيه، أيش تعمل معنا؟، فلما رآهم يؤذونني، غار علي، وقال: يا كلاب لم تؤذونه؟ والله ما فيكم مثله، وإنما أوذيه لأمتحنه، فأراه جبلًا لا يتحرك، ثم بعد مدة قدم رجل من همذان، يقال له: يوسف الهمذاني، وكان يقال: إنه القطب، ونزل في رباط، فمشيت إليه ولم أره، وقيل لي: هو في السرداب، فنزلت إليه، فلما رآني قام، وأجلسني ففرشني، وذكر لي جميع أحوالي، وحل لي المشكل علي، ثم قال لي: تكلم على الناس. فقلت: يا سيدي أنا رجل أعجمي، قح، أخرس، أتكلم على فصحاء بغداد؟!. فقال لي: أنت حفظت الفقه وأصوله، والخلاف والنحو، واللغة، وتفسير القرآن، لا يصلح لك أن تتكلم؟. اصعد على الكرسي وتكلم، فإني أرى فيك عذقًا سيصير نخلة.

قال: وكنت أومر وأنهى في النوم واليقظة، وكان يغلب علي الكلام، ويزدحم على قلبي إن لم أتكلم به حتى أكاد أختنق، ولا أقدر أسكت، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثة، ثم تسامع الناس بي، وازدحم الخلق علي، حتى صار يحضر مجلسي [نحو من] سبعين ألفًا.

وقال: فتَشتُ الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام، أود لو أن الدنيا بيدي فأطعمها الجياع، كفّي مثقوبة لا تضبط شيئًا!. لو جاءني ألف دينار لم

<<  <  ج: ص:  >  >>