للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١). وكان مخلصًا دون أشكاله، ومخلصًا توكل على الله حق اتكاله، على أنه من بقية قوم يرجعون كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وصلوا الليالي بالأسحار، وركبوا ثبج الفيافي وقفار البحار، فحمدوا ما كانوا يعملون، وعلى ربهم كانوا يتوكلون. مولده بجيلان، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. وقدم بغداد، شابًا، فتفقه على أبي سعيد المخرمي. وسمع الحديث من جماعة، وحدث عن طائفة من الكبار.

قال السمعاني: «كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة، وشيخهم في عصره. فقيه صالح، دَيِّنٌ خيرٌ، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة، تفقه على المخرمي، وصحب الشيخ حمادًا الدباس. قال: وكان يسكن بباب الأزج في مدرسة بنيت له مضينا لزيارته، فخرج وقعد بين أصحابه، وختموا القرآن، فألقى درسًا ما فهمت منه شيئًا، وأعجب من ذا أن أصحابه قاموا وأعادوا الدرس، فلعلهم فهموا، لإلفهم بكلامه وعبارته.

وقال ابن الجوزي: «كان أبو سعد المخرمي قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج، ففوضت إلى عبد القادر، فتكلم على الناس بلسان الوعظ، وظهر له صيت بالزهد، وكان له سمت وصمت، وضاقت المدرسة بالناس، فكان يجلس عند سور بغداد مستندًا إلى الرباط، ويتوب عنده في المجلس خلق كثير، فعُمِّرت المدرسة، ووسعت، وتعصب في ذلك العوام، وأقام فيها يدرس، ويعظ إلى أن توفي.

وقال الشيخ أبو بكر العماد - رحمه الله تعالى -: كنت قرأت في أصول الدين، فأوقع عندي شكًا، فقلت: حتى أمضي إلى مجلس الشيخ عبد القادر، فقد ذكر أنه يتكلم على الخواطر، فمضيت وهو يتكلم، فقال: اعتقادنا اعتقاد السلف الصالح والصحابة. فقلت في نفسي: هذا قاله اتفاقًا. فتكلم، ثم التفت إلى ناحيتي، فأعاده، فقلت: الواعظ قد يلتفت. فالتفت إلي ثالثة، وقال: يا أبا بكر، فأعاد القول، ثم قال: قم قد جاء أبوك، وكان غائبًا، فقمت مبادرًا، وإذا أبي قد جاء.

وقال أبو البقاء النحوي: حضرت مجلس الشيخ عبد القادر، فقرؤوا بين يديه بالألحان، فقلت في نفسي: تُرى لأي شيء ما ينكر الشيخ هذا؟. فقال: يجيء واحد قد قرأ أبوابًا من الفقه ينكر!. فقلت في نفسي: لعل أنه قصد غيري. فقال: إياك نعني بالقول، فتبت في نفسي من اعتراضي، فقال: قد قبل الله توبتك.


(١) سورة الإسراء: الآية ٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>