ولم يكن له عقب، وإنما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن، وأمورهم مشهورة. وله شعر، فمنه على ما قيل: [من الطويل]
إذا جَنَّ ليلي هام قلبي بذكركم … أنوحُ كما ناحَ الحَمامُ المُطوَّقُ
وفوقي سَحابٌ يُمطر الهم والأسى … وتحتي بحار بالأسى تتدفق
سلوا أم عمرو كيف باتَ أسيرُها … تُفَلُّ الأسارى دونَه وهوَ مُوثَقُ
«فلا هو مقتول، ففي القَتلِ راحةٌ … ولا هوَ مَمنُونٌ عليهِ فَيُطلَقُ»
قيل: إنه أقسم على أصحابه: إن كان فيه عيب ينبهونه عليه. فقال الشيخ عمر الفاروثي: يا سيدي! أنا أعلم فيك عيبًا!. قال: ما هو؟ قال: يا سيدي! عيبك أننا من أصحابك. فبكى الشيخ والفقراء، وقال: أي عمر! إن سلم المركب حمل من فيه.
قيل: إن هرة نامت على كُمّ الشيخ أحمد، وقامت الصلاة، فقص كمه، ولم يزعجها، ثم قعد فوصله، وقال: ما تغير شيء!.
وقيل: توضأ، فنزلت بعوضة على يده، فوقف لها حتى طارت.
وعنه قال: أقرب الطرق الانكسار والذلّ، والافتقار، وتُعَظِّمُ أمر الله، وتشفق على خلق الله، وتقتدي بسنة سيدك رسول الله ﷺ.
وقيل: كان يجمع الحطب، ويجيء به إلى بيوت الأرامل، ويملأ لهم الجرة. قيل له: أيش أنت يا سيدي؟. فبكى فقال: يا فقير، ومن أنا في البين، ثبت نسب واطلب ميراث.
وقال: لما اجتمع القوم وطلب كل واحد شيئًا، دارت النوبة إلى هذا اللاشيء أحمد!. وقيل: أي أحمد! اطلب. قلت: أي رب! علمك محيط بطلبي، فكرر علي القول، قلت: أي مولاي! أريد أن لا أريد، وأختار أن لا يكون لي اختيار، فأجابني، وصار الأمر له وعليه.
وقيل: إنه رأى فقيرًا يقتل قملة، فقال: لا واخذك الله، شفيت غيظك؟!؟. وعنه أنه قال: لو أن عن يميني خمسمائة يروحوني بمراوح الندّ والطيب، وهم من أقرب الناس إلي، وعن يساري مثلهم من أبغض الناس إلي معهم مقاريض يقرضون بها لحمي، ما زاد هؤلاء عندي، ولا نقص هؤلاء عندي بما فعلوه، ثم قرأ: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (١).
وقيل: أتي إليه بطبق تمر، فبقي ينقي لنفسه الحشف يأكله، ويقول: «أنا أحقُّ
(١) سورة الحديد: الآية ٢٣.