وقال إبراهيم الحداد:«كنت يومًا عند الشبلي جالسًا وقد انصرف أكثر الناس عنه، وبقي حوله جماعة، فسألوه أن يدعو؟. فسكت ساعةً ثم قال: «اللهم اضربهم بسياط الخوف، واقتلهم بأزمة الشوق، وافنهم عن مؤالفات الرسوم، وأغنهم عن ملاحظات الفهوم. اغفر لهم إن انصرفوا عنك، ووفقهم إن أقبلوا عليك، خرب منازل فنائهم، واعمر منازل بقائهم، وكن لهم كما لم تزل اشغل اللهم الكل بمفارقة الكل». ثم أنشأ يقول (١): [من البسيط]
الناس كلهم بالعيدِ قَدْ فَرحوا … وما فَرِحْتُ بهِ، والواحد الصَّمَد
لما تثبت أني لا أعاتبكُمْ … غَضَضْتُ طَرفي فلم أنظر إلى أحد
ثم قال:«إلهي طموح الآمال قد خابت إلا لديك، وعكوف الهمم قد تعطلت إلا عليك، ومذاهب المعارف قد قصرت إلا إليك». وكان ابن بشار نهى الناس عن الذهاب إلى الشبلي والاستماع من كلامه، فلقيه يومًا، فجعل الشبلي يكلمه وابن بشار يقول: كم من خمس من الإبل؟ فلما أكثر، قال له الشبلي في واجب الشرع شاة، وفيما يلزمنا: كلُّها. فقال ابن بشار: لك بهذا القول إمام؟. قال: نعم، أبو بكر الصديق ﵁، حيث أخرج ماله كله، وقال له النبي ﷺ: ما خلفت لعيالك؟. قال: الله ورسوله. فذهب ابن بشار ولم ينه عن مجلسه بعد ذلك.
وسئل الشبلي عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٢)؟. فقال: أبصار الرؤوس: عما حرَّم الله وأبصار القلوب: عما سوى الله ﷿». وقال الشبلي:«كنت يومًا جالسًا، فجرى بخاطري أني بخيل، فقلت: أنا بخيل!. فقاومني خاطري، وقال: بلى إنك بخيل. فقلت: مهما فتح علي اليوم، لأدفعنه إلى أول فقير يلقاني!». قال: فبينا أنا أتفكر إذ دخل علي صاحب لمؤنس الخادم، ومعه خمسون دينارًا، فقال: اجعل هذه في مصالحك. فأخذتها وخرجت. وإذا بفقير مكفوف بين يدي مزين، يحلق رأسه، فتقدمت إليه، وناولته الصرة، فقال لي: أعطها للمزين. فقلت:«إنها دنانير!». فقال:«أو ليس قد قلنا إنك بخيل؟!» فناولتها للمزين، فقال:«من عادتنا أن الفقير إذا جلس بين أيدينا لا نأخذ منه أجرًا! قال: فرميتها في دجلة، وقلت: ما أعزك أحد إلا أذله الله».
وقال أبو محمد الحريري: مكثت عند الشبلي الليلة التي مات فيها، فكان ينشد