للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كرامات عجيبة، وأخا غرائب لا تؤاخى، ولا يأتي بها الزمان وإن تراخي، طالما بهر العيون وملأها، وأظهر ما عجب الظنون وملاها، ولم يزل تبارح به غرف العرفان، ويتبلج صبح الحق حتى أدرج في الأكفان، فروض ثرى حله، وسقى الله دياره غير مفسدها، وساق إليها مثل أخلاق، موسدها، وطاب حيًا للأتراب، وميتًا في التراب مضطجعا.

أقام بالرملة، ودمشق، وكان من جِلَّة مشايخ الشام. صحب أباه، يحيى [الجلاء]، وأبا تراب النخشبي وذا النون المصري، وأبا عبيد البسري وكان عالمًا ورعًا، وهو أستاذ محمد بن داود الرقي.

روي عنه أنه قال لأبيه وأمه: «أحبُّ أن تهباني الله ﷿» فقالا: قد وهبناك الله.

فغبت عنهما مدة، فلما رجعت كانت ليلة مطيرة، فدققت الباب، فقال لي أبي: من ذا؟.

قلت: ولدك أحمد. فقال: كان لنا ولد فوهبناه الله تعالى، ونحن من العرب، لا نسترجع ما وهبناه، ولم يفتح لي. وقال له رجل على أي شيء أصحب الخلق؟. فقال:

«إن لم تبرهم فلا تؤذهم، وإن لم تسُرَّهم فلا تسؤهم». وقال: «الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، لتصغر في عينك، فيسهل عليك الإعراض».

وقال محمد بن ياسين سألت ابن الجلاء عن الفقر؟ فسكت، ثم ذهب، ورجع عن قريب، ثم قال: كان عندي أربعة دوانيق، فاستحييت من الله تعالى أن أتكلم في الفقر، فأخرجتها .. !. ثم قعد وتكلم في الفقر.

وقيل له: ما معنى الصوفي؟. فقال: «ليس نعرفه في شرط العلم، ولكن نعرف فقيرًا مجردًا من الأسباب، كان مع الله تعالى بلا مكان، ولا يمنعه العلم من علم كل مكان، يسمى صوفيًا». وقال: اشتهت والدتي على والدي يومًا سمكة، فمضى والدي إلى السوق وأنا معه، فاشترى سمكة ووقف ينظر من يحملها؟ فرآى صبيًا واقفًا حذاءه، فقال: يا عم! … تريد من يحملها؟ قال: نعم. فحملها ومشى معنا، فسمعنا الأذان. فقال الصبي: أذن المؤذن، وأحتاج أن أتوضأ وأصلي. فإن رضيت وإلا فاحمل السمكة!؛ ووضعها الصبي ومضى. فقال أبي: نحن أولى من أن نتوكل بالسمكة. فدخلنا


= رقم ٢٢٧، وصفة الصفوة ٢/ ٤٤٣، ٤٤٤ رقم ٣٠٧، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٥١، ٢٥٢ رقم ١٥٤، والعبر ٢/ ١٣٢، ودول الإسلام ١/ ١٨٦، والبداية والنهاية ١١/ ١٢٩، وفيه: «الجلاد»، ومرآة الجنان ٢/ ٢٤٩، وطبقات الأولياء ٨١ ٨٣ رقم ١٩، والنجوم الزاهرة ٣/ ١٧٠ و ١٩٤، وشذرات ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩، والطبقات الكبرى للشعراني ١/ ١٥٢، وتاريخ الإسلام (السنوات ٣٠١ - ٣٢٠ هـ) ص ١٨١ - ١٨٣ رقم ٢٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>