لم تصبه الأيام بهزتها، ولم تصبه الليالي منها بِتِرَتِهَا، فخصم أطماعه من طلب متاعها، وفطم آماله من حلب رضاعها، وقنع منها بالقوت الذي ألجيء إلى أكله، ووكل أباه بطول حزنه ونكله، وترك نفسه فيما لا يطيق من شجونها، وضيق سجونها؛ لذنب أخرجه ليكون غرضًا لنابلها، وأخرجه من الجنة بحبة من سنابلها.
كان عديم النظير في زمانه، علمًا، وورعًا، ومعاملة، وحالًا. قيل: إنه ورث من أبيه سبعين ألف درهم، فلم يأخذ منها شيئًا. قيل: لأن أباه كان يقول بالقدر. فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه شيئًا؛ وقال: «صحت الرواية عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يتوارث أهل ملتين).
قال أحمد بن مسروق: مات الحارث بن أسد المحاسبي، وهو محتاج إلى درهم، وخلف أبوه ضياعًا وعقارًا، فلم يأخذ منه شيئًا.
وقال أبو علي الدقاق: كان الحارث المحاسبي إذا مد يده إلى طعام فيه شبهة، تحرك على إصبعه عِرْقٌ؛ فكان يمتنع منه.
وقال [أبو] عبد الله بن خفيف: اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سلموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي، والجنيد بن محمد، وأبو محمد رويم، وأبو العباس بن عطاء، وعمرو بن عثمان المكي؛ لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق.
وقال الحارث:«من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زين الله ظاهره بالمجاهدة، واتباع السنة».
ويحكى عن الجنيد أنه قال: مرَّ بي يومًا الحارث المحاسبي، فرأيت فيه أثر الجوع، فقلت: يا عم!، تدخل الدار، وتتناول شيئًا؟. فقال: نعم. فدخلت الدار،
= وطبقات الصوفية للسلمي ٥٦ - ٦٠، والرسالة القشيرية ١٢، وصفة الصفوة لابن الجوزي ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٩، رقم ٢٧٠، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ١١٠، ودول الإسلام ١/ ١٤٧، والعبر ١/ ٤٤٠، وميزان الاعتدال ١/ ٤٣٠، ٤٣١، رقم ١٦٠٦، والوافي بالوفيات رقم ٣٧٧، ١١/ ٢٥٧، ٢٥٨، ومرآة الجنان لليافعي ٢/ ١٤٢، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٢/٣٧ - ٤١، وطبقات الشافعية للإسنوي ١/٢٦، وتهذيب التهذيب رقم ٢٢٦، ٢/ ١٣٤ - ١٣٦، وتقريب التهذيب ١/ ١٣٩ رقم ١٨، والنجوم الزاهرة ٢/ ٣١٦، وحسن المحاضرة ١/ ٢٩٢، وخلاصة تذهيب التهذيب ٦٧، والطبقات الكبرى للشعراني ١/ ٦٤، وشذرات الذهب ١/ ١٠٣، والكواكب الدرية ١/ ٢١٨، ٢١٩، ومرآة الجنان ٢/ ١٤٢، ١٤٣، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٤٥، وطبقات الأولياء لابن الملقن ١٧٥ - ١٧٧، والمختصر في أخبار البشر ٢/٤٠، وتاريخ ابن الوردي ١/ ٢٢٧، ٢٢٨، والإشارات للهروي ٧٤، وآثار البلاد وأخبار العباد ٣٢٢، والأعلام ٢/ ١٥٣، ومعجم المؤلفين ٣/ ١٧٤، تاريخ الإسلام (السنوات ٢٤١ - ٢٥٠ هـ) ص ٢٠٥ - ٢١٠ رقم ١٢٠.