للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَالبَصِيرَةِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَتَعَدَّى رَجُلٌ عَنْ ذَلِكَ، وَبَاعَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، أَجَازَهُ القَاضِي، وَهَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى الحَجْرَ عَلَى الحُرِّ، وَكَذَا عِنْدَهُمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الحَجْرُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ. وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ بِمَا قَدَّرَهُ الإِمَامُ: صَحَّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكْرَةٍ عَلَى البَيْعِ، هَلْ يَبِيعُ القَاضِي عَلَى المُحْتَكِرِ طَعَامَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ؟ قِيلَ: هُوَ عَلَى الاخْتِلَافِ الَّذِي عُرِفَ فِي بَيْعِ مَالِ المَدْيُونِ، وَقِيلَ: يَبِيعُ بِالاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى الحَجْرَ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٌ، وَهَذَا كَذَلِكَ.

قَالَ: (وَيُكْرَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الفِتْنَةِ) مَعْنَاهُ: مِمَّنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الفِتْنَةِ؛ لِأَنَّهُ تَسْبِيبٌ إِلَى المَعْصِيَةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي السِّيَرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهُ فِي الفِتْنَةِ، فَلَا يُكْرَهُ بِالشَّكْ.

قَالَ: (وَلَا بَأسَ بِبَيْعِ العَصِيرِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا)؛ لِأَنَّ المَعْصِيَةَ لَا تُقَامُ بِعَيْنِهِ بَلْ بَعْدَ تَغْيِيرِهِ، بِخِلَافِ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي أَيَّامِ الفِتْنَةِ، لِأَنَّ المَعْصِيَةَ تَقُومُ بِعَيْنِهِ. قَالَ: (وَمَنْ أَجَّرَ بَيْتًا لِيُتَّخَذَ فِيهِ بَيْتُ نَارٍ، أَوْ كَنِيسَةٌ، أَوْ بِيعَةٌ، أَوْ يُبَاعُ فِيهِ الخَمْرُ بِالسَّوَادِ: فَلَا بَأْسَ بِهِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرِيَهُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (*)؛

(لأنه) أي: أبو حنيفة (لا يرى الحجر على الحر) العاقل، وفي إبطاله نوع حجر عليه وكذا عندهما لأنه حجر على قوم مجهولين فلا يصح، وبه قالت الأئمة الثلاثة.

وفي المحيط: سَخَّرَ السلطان وقال: لا تُنقصوا، فاشترى أحد شيئًا، والخباز يخاف إن نقص من ذلك يضرُّه السلطان لا يَحِلُّ أكله، وحيلته أن [يقول] (١) المشتري: بعني ما تحب.

قوله: (لدفع ضرر) عام كالحجر على الطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، والمفتي الماجن، وهذا يرجع إلى العامة.

قوله: (وقالا: لا ينبغي أن يكريه لشيء من ذلك) أي: لا يجوز، وبه قالت


(*) الراجح: قول الصاحبين.
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>