للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ لَا يَبِيعَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَالمَذْكُورُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ حَقَّ العَامَّةِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا جُمِعَ فِي المِصْرِ وَجُلِبَ إِلَى فِنَائِهَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ لِإِطْلَاقِ مَا رَوَيْنَا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ مَا يُجْلَبُ مِنهُ إِلَى المِصْرِ فِي الغَالِبِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ فِنَاءِ المِصْرِ، يَحْرُمُ الاحْتِكَارُ، فِيهِ لِتَعَلَّقِ حَقِّ العَامَّةِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ البَلَدُ بَعِيدًا لَمْ تَجْرِ العَادَةُ بِالحَمْلِ مِنْهُ إِلَى المِصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ العَامَّةِ.

قَالَ: (وَلَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ) لِقَوْلِهِ : «لَا تُسَعِّرُوا فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ» وَلِأَنَّ الثَّمَنَ حَقُّ العَاقِدِ فَإِلَيْهِ تَقْدِيرُهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِحَقِّهِ، إِلَّا إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ دَفْعُ ضَرَرِ العَامَّةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ. وَإِذَا رُفِعَ إِلَى القَاضِي هَذَا الأَمْرُ يَأْمُرُ المُحْتَكِرَ بِبَيْعِ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ أَهْلِهِ عَلَى اعْتِبَارِ السَّعَةِ فِي ذَلِكَ وَيَنْهَاهُ عَنْ الاحْتِكَارِ، فَإِنْ رُفِعَ إِلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى حَبَسَهُ وَعَزَّرَهُ عَلَى مَا يَرَى، زَجْرًا لَهُ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ، فَإِنْ كَانَ أَرْبَابُ الطَّعَامِ يَتَحَكَّمُونَ وَيَتَعَدَّوْنَ عَنِ القِيمَةِ تَعَدِّيًا فَاحِشًا، وَعَجَزَ القَاضِي عَنْ صِيَانَةِ حُقُوقِ المُسْلِمِينَ إِلَّا بِالتَّسْعِيرِ، فَحِينَئِذٍ لَا بَأسَ بِهِ بِمَشُورَةٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ

قوله: (ولا ينبغي للسلطان أن يُسَعِّرَ) فالتسعير لا يحل بلا خلاف للعلماء فيه، إلا في صورة تعدي أرباب الطعام، فإنه لا يكره عندنا ومالك، وحكي عن مالك أنه يلزم التسعير عام الغلاء؛ نظرًا للعامة.

وفي جامع المحبوبي: حكي عن أبي حفص الكبير أنه دفع الدراهم إلى أمنائه في وقت غلاء الطعام ليقوموا على الطريق خارج البلد، ويقولون للرستاقي: إنما نبيع الطعام في الجونق (١) بخمسين درهما لكل وقر، فخذ هاهنا عشرة، وبع طعامًا في الجولق بأربعين، ففعلوا ذلك حتى وقع في المصر أن الطعام قد رخص، ونقلوا طعامًا كثيرًا، فلما اجتمع الطعام الكثير في الجولق رخص الطعام ببركة حسن نيته.

قوله: (تعديًا فاحشا) بأن يبيعوا قفيزا بمائة ويشتري بخمسين.


(١) كذا في الأصل، وفي النسخة الثانية: (الحويق) ولعل الصواب: (الجولق) كما في كتب الفقه الحنفي.

<<  <  ج: ص:  >  >>