للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَلَا يَكُونُ اسْتِرْدَادًا، بِخِلَافِ شَرْطِ العَمَلِ عَلَيْهِ فِي الابْتِدَاءِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ التَّخْلِيَةَ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا دَفَعَ المَالَ إِلَى رَبِّ المَالِ مُضَارَبَةٌ حَيْثُ لَا يَصِحُ، لِأَنَّ المُضَارَبَةَ تَنْعَقِدُ شَرِكَةً عَلَى مَالِ رَبِّ المَالِ وَعَمَلِ المُضَارِبِ وَلَا مَالَ هَاهُنَا، فَلَوْ جَوَّزْنَاهُ يُؤَدِّي إِلَى قَلْبِ المَوْضُوعِ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ بَقِيَ عَمَلُ رَبِّ المَالِ بِأَمْرِ المُضَارِبِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ المُضَارَبَةُ الأُولَى.

فإن قيل: في الإبضاع يكون المال للمبضع والعمل من الآخر بغير شيء، وهاهنا لا مال لرب المال فكيف يتحقق الإبضاع؟

قلنا: المراد من الإبضاع هو الدفع على وجه الاستعانة، ورب المال يصلح معينا لأنه أشفق الناس إليه تصرفًا فيصح الاستعانة به، كما يصح من الأجنبي.

فإن قيل: الأجنبي عامل في ملك الغير فيصلح معينًا، ورب المال يتصرف في ملك نفسه فلا يصلح معينًا، ولهذا لو استأجر خياطا واستعان الآخر بالمستأجر في الخياطة لا يستحق المستأجَرُ الأجر؛ لأن عمله لا يتحول إلى المستأجر فينبغي أن لا يكون للمضارب من هذا الربح نصيب.

قلنا: في المضاربة معنى الإجارة والشركة جميعًا، ومعنى الشركة راجح، بل المقصود هو الشركة، ولهذا لو عمل ولم يربح لا يقضى له بشيء، وفي الشركة يستحق أحد الشريكين الربح بعمل صاحبه، وإذا كان كذلك صلح رب المال معينًا، أما في الإجارة يستحق الأجر بالعمل، وعمل الأجر لا يتحول إليه، كذا قيل.

قوله: (فلا تبطل به)، أي: بدفع المال إلى رب المال في المضاربة الثانية المضاربة الأولى عندنا، ويكون الربح بينهما على ما شرطا في المضاربة الأولى.

وقال زفر: تنفسخ المضاربة الأولى كما لو دفعه إعانة.

وقلنا: لما لم تصح المضاربة الثانية بقي المال في يد رب المال وعمل فيه بإذن المضارب فيكون معينًا في العمل، ولكن للمضارب أن يعيد إلى نفسه لحصول المال في يده، وبقاء المضاربة كالرهن في يد الراهن بالعارية لا يبطل حق المرتهن، كذا في شروح الجامع الصغير.

<<  <  ج: ص:  >  >>