للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إِحْدَى البَيِّنَتَيْنِ كَاذِبَةٌ بِيَقِينِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ المِلْكَيْنِ فِي الكُلِّ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ تَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ فَيَتَهَاتَرَانِ أَوْ يُصَارُ إِلَى القُرْعَةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ أَقْرَعَ فِيهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الحَكَمُ بَيْنَهُمَا وَلَنَا: حَدِيثُ تَمِيمِ بْنِ طَرْفَةَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ

مالك يقضى بأعدل البينتين، فإذا كانتا في العدالة سواء ولا ترجيح بهما يقسم بينهما نصفين في رواية كقولنا، وبه قال أحمد في رواية، والشافعي أيضًا في قول.

وقال الأوزاعي، وابن الماجشون المالكي: يقضى بأكثرهما عددًا؛ لزيادة طمأنينة القلب إلى قول الأكثر؛ ولكن ذلك غير معتبر في الحجية بعد نصاب تمام الحجة ورجحان الصدق.

قوله: (ولنا حديث تميم بن طرفة) الطائي، رواية عن أبي موسى الأشعري، ذكره أبو داود، وعن أبي الدرداء: أن رجلين اختصما بين يدي رسول الله في شيء وأقاما البينة، فقال: «مَا أَحْوَجَكُمَا إِلى سِلْسِلَةٍ كَسِلْسِلَة بني إِسْرَائِيلَ، كَانَ دَاوُدُ إِذَا جَلَسَ لِفَصْلِ القَضَاءِ تدلتْ سِلْسِلَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بُعُنُقِ الظَّالِمِ»، ثم قضى به رسولنا بينهما نصفين (١).

وما روي من استعماله القرعة، فقد كانت في وقت كان القمار مباحًا، ثم انتسخ ذلك بحرمة القمار؛ لأن تعيين المستحق بمنزلة الاستحقاق ابتداء، فكما أن تعليق الاستحقاق بخروج القرعة يكون قمارًا أيضًا.

بخلاف قسمة المال المشترك فللقاضي ولاية تعيين المستحق من غير قرعة، وإنما يقرع لتطييب القلوب ونفيًا لتهمة الميل، كما في قرعة النساء، ولا يكون ذلك في معنى القمار، ولأنهما استويا في سبب الاستحقاق، والمدعى قابل للاشتراك، فيستويان في الاستحقاق كالغريمين في التركة؛ وهذا لأن البينات حجج الله تعالى، فيجب العمل بها ما أمكن، وقد أمكن هاهنا؛ لأن كل واحد من البينتين احتملت الصحة؛ لأن صحة الشهادة لا تعتمد وجود حقيقة؛ إذ لا


(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣١٦ رقم ٢١٥٦٥)، وعبد الرزاق في المصنف (٨/ ٢٧٦ رقم ١٥٢٠٤) عن أبي الدرداء : أن رجلين اختصما إليه في دابة، فأقام كل واحد منهما البينة أنها له، فقضى به بينهما وقال: ما كان أحوجكما إلى مثل سلسلة بني إسرائيل. موقوفًا.

<<  <  ج: ص:  >  >>