بحكم الشرع؛ لما أن المدعي يستحق ما ادعاه بنفس الدعوى لولا منازعة المنكر بيده أو بذمته، والشرع أبطله إلى اليمين، فلما منع المنكر اليمين عاد الأمر الأصلي بحكم الشرع؛ فيلزم القاضي قطع منازعته.
فإن قيل: يقضى بالقصاص في الأطراف بالنكول ولا يعمل فيها البذل، حتى لو قال: اقطع يدي لا يحل قطعه.
قلنا: البذل عامل إذا كان مفيدًا، كما لو قال لآخر: اقطع يدي وبها أكلة حل القطع ولم يأثم، وبغير إذنه يأثم، وفيما نحن فيه النكول مفيد؛ لأنه يحترز به عن اليمين الكاذبة، وله ولاية الاحتراز عن اليمين بخلاف ما لو قال جزافًا: اقطع يدي فلا يحل؛ لأنه لا فائدة فيه؛ بل فيه ضرر محض. إليه أشار في الأسرار.
فإن قيل: هذا التعليل مخالف للحديث المشهور، وهو قوله ﵇:«اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
قلنا: خص منه الحدود بالإجماع، فجاز تخصيص هذه الصور بالقياس.
وقوله:(إلا أن هذا بذل لدفع الخصومة) جواب سؤال مقدر، وهو ما ذكره في الأسرار أن النكول لو كان بذلا ينبغي ألا يملكه المكاتب والمأذون؛ لما أن في البذل معنى التبرع، وهما لا يملكان التبرع، فقال في جوابه: إنهما يملكان لما لا بدل له من التجارة، كما في الضيافة اليسيرة، وبذلهما بالنكول من جملة ذلك.
قوله:(وصحته في الدين) أي: صحة القضاء بالنكول، وهذا جواب سؤال، وهو أن يقال: لو كان بذلا لما جرى في الدين؛ لأن محله الأعيان لا الديون؛ إذ الديون أوصاف، والبذل والأعطاء لا تجري في الأوصاف، فقال في جوابه: وصحته في الدين بناء على زعم المدعي إلى آخره، يعني معنى البذل هنا ترك المنع، فكان المدعي يأخذ منه بناء على زعمه أنه يأخذ حق نفسه ولا