فيه؛ لأنه موضع اشتباه الدليل؛ إذ اعتبار الطلاق بسائر تصرفاته يبقى حكمه.
وكذا لو قضى في حد أو قصاص بشهادة رجل وامرأتين، ثم رفع إلى قاض آخر يرى خلاف ذلك، فإنه ينفذ قضاؤه ولا يبطله، وليس طريق نفاذ القضاء الأول في هذه الصورة حصوله في محل مختلف فيه؛ لأنه لا اختلاف فيه، وإنما طريقه أن القضاء الأول حصل في موضع اشتباه الدليل؛ لأن المرأة من أهل الشهادة، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يدل على شهادة النساء مع الرجال مطلقًا نظرًا إلى اللفظ، وإن ورد في باب المداينة إلا أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولم يرد نص قاطع في إبطال شهادة النساء مع الرجال في هذه الصورة.
فلو قضى بجواز نكاح بغير شهود نفذ قضاؤه؛ لأن مختلف فيها، فمالك وعثمان البتي يشترطان الإعلان لا الشهود، وقد مرَّ في النكاح، وقد اعتبر خلافهما؛ لأن الموضع موضع اشتباه الدليل؛ إذ اعتبار النكاح بسائر التصرفات أو بفسخه يقتضي ألا يشترط الشهادة.
قوله: (في الباطن) أي: عند الله تعالى.
ومن صورة التحريم: ادعت على زوجها أنه طلقها ثلاثا، وأقامت بينة كاذبة، وقضى القاضي بالفرقة، وتزوجت بآخر بعد انقضاء العدة؛ فعلى قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف أوّلًا - لا يحل للزوج الأول وطؤها ظاهرًا وباطنا، ويحل للثاني ظاهرًا أو باطنا، علم بحقيقة الحال أم لا.
وعلى قول أبي يوسف آخِرًا ومحمد والشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣) لا يحل للثاني وطؤها إذا كان عالما بحقيقة الحال.
ومن صورة التحريم أيضًا: صبي وصبية سبيا وهما صغيران، فكبرا وأعتقا ثم تزوج أحدهما الآخر، فجاء حربي مسلمًا وأقام بينة أنهما ولداه، فالقاضي
(١) انظر: الأم (٧/٤٢)، الحاوي الكبير (١١/١٧). (٢) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٥)، الذخيرة (١٠/ ١٤٦، ١٤٧). (٣) انظر: المغني (١٠/ ٥٣، ٥٤)، كشاف القناع على متن الإقناع (٦/ ٣٥٨).