للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِخِلَافِ كِتَابِ الاِسْتِثْمَانِ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُلْزِمٍ، وَبِخِلَافِ رَسُولِ القَاضِي إِلَى المُزَكَّى وَرَسُولِهِ إِلَى القَاضِي، لِأَنَّ الإِلْزَامَ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالتَّزْكِيَةِ.

وكذا رسول القاضي إلى المزكى، ورسول المزكى إلى القاضي ليس بملزم، بل الملزم الشهادة؛ إذ القضاء مضاف إلى الشهادة، ولهذا لو أوصى بدون التزكية صح قضاؤه، وإنما التزكية لنوع رجحان الصدق.

فإن قيل: ما فائدة كتاب القاضي إلى القاضي، فالشاهدان على الكتاب يجوز أن يشهدا على شهادة الأصول، حتى لا يحتاج إلى الكتاب؟

قلنا: في الشهادة على الشهادة يحتاج القاضي الآخر إلى تعديل الشهود الأصول، وقد يتعذر معرفة عدالة الأصول في تلك البلدة، فلا يحصل المقصود، وهنا يكتب عدالة الشهود الذين شهدوا عنده، فلا يحتاج المكتوب إليه إلى التعديل ثانيًا.

وقيد الرسول بكونه مرسلًا إلى المزكى أو على العكس؛ لأن رسول القاضي إلى قاض آخر غير معتبر في لزوم القضاء على الآخر بدون بينة، ولا بالبينة.

والفرق بين كتابه ورسوله وجهان: أحدهما: أن القياس يأبى جواز كتاب القاضي إلى القاضي كما بينا، إلا أنا جوزنا بالأثر كما بينا، وأجمع التابعون على جوازه، ولم يرد مثل ذلك في الرسول، فعمل به القياس.

والثاني: أن الكتاب من القاضي جُعِل كالخطاب في موضع القضاء المكتوب، والكتاب وجد من موضع القضاء، فيكون كالخطاب في موضع القضاء، فيكون حجة، أما الرسول عند أداء الرسالة كان ذلك مرسلًا حضر في هذا الموضع يبلغه، ألا ترى أن مجيز تزويج الولي في تزويج ابنته البالغة لو كان فضوليا - يشترط فيه العدد أو العدالة على قول أبي حنيفة، ولو كان رسولًا لا يشترط بالإجماع؛ لقيامه مقام المرسل وقت التبليغ، فلما كان هذا من المرسل بمنزلة خطاب المرسل، والمرسل في هذا الموضع ليس بقاض.

وقوله: (في غير موضع قضائه) كقول واحد من الرعايا، فلذلك لم يقبل قول رسوله، ويقبل كتابه. إلى هذا أشار في الذخيرة (١).


(١) انظر: المحيط البرهاني شرح الفقه النعماني (٨/ ١٥٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>