للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القَضَاءَ عَلَى الغَائِبِ لَا يَجُوزُ (وَكَتَبَ بِالشَّهَادَةِ) لِيَحْكُمَ المَكْتُوبُ إِلَيْهِ بِهَا، وَهَذَا هُوَ الكِتَابُ الحُكْمِيُّ، وَهُوَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ فِي الحَقِيقَةِ، وَيَخْتَصُّ بِشَرَائِطَ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَجَوَازُهُ لِمِسَاسِ الحَاجَةِ، لِأَنَّ المُدَّعِيَ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الجَمْعُ بَيْنَ شُهُودِهِ وَخَصْمِهِ فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَقَوْلُهُ: (فِي الحُقُوقِ) يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الدَّيْنُ، وَالنِّكَاحُ، وَالنَّسَبُ، وَالمَغْصُوبُ، وَالأَمَانَةُ المَجْحُودَةُ، وَالمُضَارَبَةُ المَجْحُودَةُ، لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ، وَهُوَ يُعْرَفُ بِالوَصْفِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الإِشَارَةِ، وَيُقْبَلُ فِي العَقَارِ أَيْضًا، لِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِيهِ بِالتَّحْدِيدِ.

قوله: (وهو نقل الشهادة في الحقيقة)، يعني في السجل لا سبيل للمكتوب إليه برده وإن كان مخالفًا لمذهبه؛ لما أن حكم القاضي في السجل إذا وقع في مسألة مختلف فيها ليس لقاض آخر رده؛ لاتصال حكم القاضي به، بخلاف كتاب الحكمي، فإن للقاضي المكتوب إليه يجوز رده؛ لأنه لم يتصل به حكم، وهو بمنزلة الشهادة على الشهادة في الحقيقة.

ألا ترى أن للقاضي الأول أن يطلبه قبل أن يبعث به إلى الثاني، فإن الخصم لو حضر مجلسه لم يلزمه ذلك منها، فكذا للثاني ألا ينفذ بكتابه إلا أن يكون ذلك من رأيه. كذا في المبسوط (١).

قوله: (ويختص بشرائط) (٢) ومن الشرائط: العلوم الخمسة، ذكرها في الذخيرة: هو أن يكون الكاتب معلومًا، والمكتوب إليه معلومًا، والمدعي به معلومًا، والمدعى عليه معلومًا، والمدعى به المعلوم، وشرائط أُخر نذكرها في هذا الباب إن شاء الله تعالى.

ثم إعلام كل واحد من هؤلاء المذكورين يكون بذكر اسمه واسم أبيه واسم جده، أو قبيلته؛ لأن إعلام الإنسان إذا كان غائبًا بهذه الأشياء، ولو لم يذكر اسم أبيه وجده لا يحصل التعريف بالاتفاق، وبذكر أبيه دون جده وقبيلته يحصل التعريف عند أبي حنيفة إن كان مشهورًا.

قوله: (لا يحتاج فيه إلى الإشارة)، فإن قيل: الإشارة في النكاح شرط عند


(١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٩٧).
(٢) انظر: المحيط البرهاني شرح الفقه النعماني (٨/ ١٣٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>