وإذا حضرا فالقاضي بالخيار؛ إن شاء ابتدأهما فقال: مالكما؟ وإن شاء تركهما حتى يبتدئا بالمنطق، وبعض القضاة يختار السكوت حتى يبتدئا؛ لأن في ابتداء القاضي تهييجا للخصومة، فالقاضي لرفعه ودفعه.
وقلنا: الرأي في ذلك للقاضي؛ إذ حشمة مجلس القضاء قد يمنعهما عن الكلام ما لم يبتدئ القاضي فلا يكون تهييجا للخصومة، ولكن لا يكلمهما بشيء آخر سوى ما تقدما بين يديه، مع أن السلام سنة، فإذا تكلم المُدَّعي أسكت الآخر، واستمع من المدعي حتى يفهم حجته؛ لأن في تكلمهما معًا لا يفهم كلام واحد، ولأن في تكلمهما شغب، وبه تنتقص حشمة مجلس القضاء، ويستنطق الآخر وإن لم يسأل المدعي ذلك.
واختار بعض القضاة أنه لا يستنطقه إلا بعد سؤال المدعي؛ لكن يتفكر بعد الدعوى في دعواه، فإن لم تكن صحيحة يقول له: قم صحح دعواك؛ إذ الدعوى الفاسدة لا تستحق الجواب، ولو صحح دعواه قبله يقول له: أخبرني ما أصنع، فإن قال: أريد جوابه فسأله عن ذلك - حينئذ يستنطق الآخر، والأصح عندنا أن يستنطق الآخر وإن لم يلتمس المُدَّعي؛ لأن المدعي ما أحضر خصمه إلا لذلك، فلا يحتاج إلى التماس آخر.
ولا ينبغي للقاضي أن يُلقن لأحدهما حجته، وينبغي أن يقدم النساء على حدة والرجال على حدة؛ لأن اختلاط النساء بالرجال مكروه، وهذا إذا كانت الخصومة بين النساء والرجال فلا يجد بدا من أن يقدمهن مع الرجال، واختار محمد أن يقدم الناس على منازلهم الأول بالأول، ويضع على ذلك أمينا من قبله ليعرف السابق، وينبغي أن يبتكر الأمين على باب القاضي ليعلم منازل الناس، وينبغي أن يكون أمينا لا يطمع ولا يرتشي؛ لأن ذلك من عمل القضاء، فكما لا يطمع هو فيما يقضي فكذا أمينه، ولو أشكل السابق منهم يقرع
= رقم ٣٩٤٣)، وابن ماجه (١/ ٦٣٣ رقم ١٩٧١)، والحاكم (٢/ ١٨٧ رقم ٢٧٦١) عن عائشة ﵂. قال الترمذي: المرسل أصح، وصححه الحاكم، وقال ابن حجر: وأعله النسائي، والترمذي، والدارقطني بالإرسال، وقال أبو زرعة لا أعلم أحداً تابع حماد بن سلمة على وصله. تلخيص الحبير (٣/ ٢٩٥)، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٧/ ٤٨١).