أما لو أفتى فقيه لم يبلغ درجة الاجتهاد فيما يروى عن أصحابنا، يُفتي بالرواية الظاهرة، ولا يُخالفهم برأيه وإن كان مُجتهدا، ولو كانت مُختلفة بين أصحابنا، فإن كان مع أبي حنيفة أحد صاحبيه، يُفتي بقولهما وإن خالفاه، فإن كان اختلاف عصر أو أحد المتأخرين بقولهما، كالمزارعة، يُفتي بقولهما، وفيما سواه يتخيّر المفتي ويعمل بالاجتهاد، وقال ابن المُبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة.
وقال رضي الدين النيسابوري: لو كان المفتي مُجتهدا يُفتي برأيه كائنا ما كان، ولا يفتي بقول من يُقلّده لا مُحالة إلا في موضع الضّرورة، وعليه الأكثرون، وإن وجد لها رواية نادرة؛ فإن وافق قول أصحابنا، أخذ بها، وإن لم يجد واتفق بها المتأخرون، أخذ به، وإلا يُفتي بما هو الأصوب عنده، وإن كان المفتي مُقلّدا غير مُجتهد، يفتي بقول من هو أفقه عنده، وإن كان في مِصر آخر.
وفي الكافي: ينبغي أن يكون المفتي عفيفًا صالحًا عاقلاً فهمًا، عالمًا بالسّنة والآثار ووجوه الفقه الذي يؤخذ منه الكلام، فمن لم يكن بهذه الصفة لا يُفتي إلا بشيء سمعه، يقول: قال أبو حنيفة كذا.
وفي بعض الجوامع: من عرف الأقاويل ولم يعرف الحجج لا يحل له أن يفتي فيما اختلف فيه، ولا يقطع بأحد الأقاويل فيفتي به، ولو لم يوجد في البلد مثله، وفيه حافظ للفقه إن كان مأمونًا ثقة عليه لا فيما يحكيه حكى الأقاويل للمستفتي، فيختار المستفتي ما يقع في قلبه أنه أصوبهم، على ما روي عن أبي حنيفة.
وفي الجامع الصغير: لو انتقل من مذهب إلى مذهب لاجتهاد وبرهان فهو مذموم آثم مستوجب للتأديب والتعزير، فبلا اجتهاد وبرهان بالطريق الأولى، وبه قال الشافعي (١).
وقال الإمام العياضي: العبرة لمن يعتقده المستفتي، فكل ما اعتقده من مذهب حل له الأخذ به ديانة ولم يحل بخلافه.
= قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم. (١) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٦٠).