للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَكَذَا الْأَبُ بِسَبَبِ ابْنِهِ، وَلِهَذَا لَا يُقَادُ الوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَلَا السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ، وَلَو كَانَ لَهَا ابنٌ مِنْ غَيْرِهِ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ لِتَحَقُّقِ السَّبَبِ وَانعِدَامِ المَانِعِ.

(وَمَنْ قَذَفَ غَيْرَهُ فَمَاتَ المَقذُوفُ بَطَلَ الحَدُّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَبْطُلُ (وَلَو مَاتَ بَعدَمَا أُقِيمَ بَعضُ الحَدِّ بَطَلَ البَاقِي) عِنْدَنَا، خِلَافًا لَهُ، بِنَاء عَلَى أَنَّهُ يُورَثُ عِندَهُ، وَعِنْدَنَا لَا يُورَثُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهِ حَقَّ الشَّرعِ وَحَقَّ العَبْدِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ العَارِ عَنْ المَقذُوفِ، وَهُوَ الَّذِي يَنتَفِعُ بِهِ عَلَى الخُصُوصِ، فَمِنْ هَذَا الوَجْهِ حَقُّ العَبدِ، ثُمَّ إِنَّهُ شُرِعَ زَاجِراً وَمِنْهُ سُمِّيَ حَدًّا، وَالمَقصُودُ مِنْ شَرِعِ الزَّاجِرِ إِحْلَاءُ العَالَمِ عَنْ الفَسَادِ، وَهَذَا آيَةُ حَقِّ الشَّرعِ، وَبِكُلِّ ذَلِكَ تَشْهَدُ الأَحْكَامُ. وَإِذَا تَعَارَضَت الجِهَتَانِ، فَالشَّافِعِيُّ مَالَ إِلَى تَعْلِيبِ حَقِّ العَبدِ تَقْدِيما لِحَقِّ العَبدِ بِاعْتِبَارِ حَاجَتِهِ

الزانية، وأمه ميتة، ولها ابن من غيره، فطلب الحد منه يحد بإجماع الأربعة؛ لأن لكل أحد حق الخصومة، وظهر المانع في حق أحدهما دون الآخر، ولهذا لو عفا أحد الابنين في قذف الميتة المحصنة للآخر أن يخاصم؛ لأن النقيصة تلحق بهما. ذكره في شرح الطحاوي.

بخلاف ما لو عفا أحدهما عن القصاص، أو كان أحدهما ابن القاتل فلا يستوفي الآخر القصاص؛ لأن القصاص حق العبد، فيكون ميراثا بينهما، فيسقط نصيب الباقي بالعفو، أو لمعنى الأبوة، فتعذر على الآخر الاستيفاء؛ لأنه لا يحتمل التجزؤ، فأما حق العبد فحق الله تعالى فيه غالب عندنا، ولم يصر ميراثا لهما، بل لهما ولاية المطالبة؛ للحوق العار بهما على الكمال، فبعفو أحدهما لا يسقط حقه. إليه أشار في المبسوط (١).

قوله: (فالشافعي مال إلى إلى تغليب حق العبد) وبه قال مالك وأحمد.

قوله: (وهذا) أي: كون حق العبد غالبًا عند الشافعي، وعندنا حق الله تعالى، ولا خلاف أن في حد القذف حقان؛ لتعارض الدلائل والأحكام، فمن حيث إنه شرع لصيانة عرض المقذوف كالقصاص، شرع لصيانة نفسه عن


(١) المبسوط للسَّرَخْسِي (٢٦/ ١٤١).

<<  <  ج: ص:  >  >>