ولهذا قال علماؤنا: النكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادات، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (٣)، وأحمد (٤). وقال الشافعي: التخلي للعبادة أفضل منه إلا أن تتوق نفسه إلى النساء، ولا يجد الصبر على التخلي (٥).
وقيل: قول مالك (٦)، كقول الشافعي، وهذا الخلاف في التعليم والتعليم مع النكاح. له قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩] فقد مدح يحيى ﵇ لكونه حصورًا، والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة على الإتيان، فدل أن التخلي أفضل، ولأن النكاح من المعاملات حتى يصح من المسلم والكافر والمقصود به قضاء الشهوة، وذلك مما يميل إليه الطبع فيكون بمباشرته عاملا لنفسه.
وفي الاشتغال بالعبادة عاملا الله تعالى مخالفته هوى النفس، وهو المقصود الكلي قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، ولأن العبادة أشق من قضاء الشهوة فيكون أفضل، ولأنه جاء في البخاري من حديث أبي هريرة أنه ﵇ قال يروي عن ربه تعالى: «لا يزالُ عَبدِي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحِبَّهُ (٧)» الحديث، ومثل هذا لم يوجد في النكاح، ولأنه جاء أنه ﵇ قال:«خيركم بعد المائتين الذي لا أهل له ولا مال»(٨)، وقال ﵇: «إذا كانَ سِنه خمس ومائةٌ فلأنّ يُربِّي أحدُكُم جَرو كلب خيرٌ له من أن
(١) سبق تخريجه. (٢) أخرجه ابن ماجه (٣/ ٥٤ رقم ١٨٤٦) من حديث عائشة ﵂. (٣) انظر: البيان للعمراني (٩/ ١١٣). (٤) انظر: المغني لابن قدامة (٤/٧)، الإنصاف للمرداوي (٨/١٥). (٥) انظر: نهاية المطلب للجويني (١٢/٢٦)، والمجموع للنووي (١٦/ ١٣٠). (٦) انظر: المعونة للقاضي عبد الوهاب (٧١٨)، وبداية المجتهد لابن رشد الحفيد (٣/٣٠). (٧) أخرجه البخاري (٨/ ١٠٥ رقم ٦٥٠٢). (٨) أخرجه أبو يعلى في مسنده كما عزاه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٤/١٣) وقال: هذا إسناد فيه مقال.