المتتبع لكتب الفقه الحنفي الأمهات يجد أن الاستدلال بالنوادر كان حاضرا بقوة في كافة مناحي الاستدلال الفقهي بداية من التأسيس والتأطير وصولا للاستشهاد والاستئناس، وفيما يلي نورد طرفا من هذا، ليقف القاريء بنفسه على العملية العلمية التي تدور في ذهن الفقيه الحنفي وموطن النوادر منها:
[القدر الناقض للوضوء في دم الأنف]
تناول الإمام السرخسي هذه المسألة في المبسوط مبينا أقوال أئمة المذهب في مسألة سيلان الدم من الأنف ما ينقض به الوضوء وما لا ينقض، فقال: «قال (وإن رعف قليلا لم يسل لم ينقض وضوءه)، ومراده إذا كان فيما صلب من أنفه لم ينزل إلى ما لان منه فقد قال محمد - رحمه الله تعالى - في النوادر: إذا نزل الدم إلى قصبة الأنف انتقض به الوضوء بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر؛ لأن هناك النجاسة لم تصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وفي الأنف قد وصلت النجاسة إلى موضع يلحقه حكم التطهير فالاستنشاق في الجنابة فرض، وفي الوضوء سنة» (١).
[لحوم الإبل الجلالة والعمل عليها]
قال الإمام السرخسي في المبسوط:«وتكره لحوم الإبل الجلالة والعمل عليها، وتلك حالها إلى أن تحبس أياما لما روي أن النبي ﷺ «نهى عن أكل لحم الجلالة، وفي رواية أن يحج على الجلالة ويعتمر عليها وينتفع بها»
(١) انظر: المبسوط، السرخسي، دار المعرفة - بيروت، تاريخ النشر: ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م (١/ ٨٣).