للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ المُسْلِمُ خَمْرًا، وَأَخَذَ ثَمَنَهَا، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَأْخُذَ مِنهُ، وَإِنْ كَانَ البَائِعُ نَصْرَانِيًّا: فَلَا بَأْسَ بِهِ) وَالفَرْقُ: أَنَّ البَيْعَ فِي الوَجْهِ الأَوَّلِ قَدْ بَطَلَ؛ لِأَنَّ الخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوَّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، فَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَى مِلْكِ المُشْتَرِي، فَلَا يَحِلُّ أَخْذُهُ مِنْ البائع.

وَفِي الوَجْهِ الثَّانِي: صَحَ البَيْعُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوَّمٌ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ، فَمَلَكَهُ البَائِعُ، فَيَحِلُّ الأَخْذُ مِنْهُ. قَالَ: (وَيُكْرَهُ الِاحْتِكَارُ

قوله: (يكره لصاحب الدين أن يأخذه منه) ولا خلاف فيه.

وعن محمد: هذا إذا كان القضاء والاقتضاء بالتراضي، فأما إذا كان بالقضاء بأن القاضي قضى عليه بهذا الثمن، ولم يعلم القاضي بكونه ثمن الخمر يطيب له ذلك بقضائه، وإنما حرم عند الاقتضاء بالتراضي؛ لقوله : «إن الذي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ أَكْلَ ثَمَنِها» (١) وقال : «لعنَ اللهُ فِي الخَمِر عَشْرًا … » (٢) وذكر من العشرة آكِلَ ثَمنها، ولأن العقد لما لم ينعقد في حق المسلم، فكان الثمن كالمغصوب؛ لوجوب رده على البائع شرعًا، ولو قضى دينه بدراهم مغصوبة لا يحل للقابض قبضه إذا علم، فكذا هذا.

وقال بعض مشايخنا: كسب المغنية كالمغصوب لا يحل أخذه، ولا خلاف فيه بين العلماء، وعلى هذا قالوا: لو مات واحد وكسبه من بيع الباذق والظلم وأخذ الرشوة؛ يرده الورثة على أربابها إن عرفوهم ديانة، وإن لم يعرفوهم تصدقوا بها؛ لأن سبيل الكسب الخبيث التصدق إذا تعذر رده. كذا في جامع المحبوبي.

قوله: (ويكره الاحتكار … ) إلى آخره.

الاحتكار: افتعال من حكر، أي: حبس، فاحتكار الطعام حبسه متربصا للغلاء، ومحل الاحتكار ما هو قوت الآدميين والبهائم، وهذا عند أبي حنيفة


(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٠٦ رقم ١٥٧٩) من حديث ابن عباس .
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٢٦ رقم ٣٦٧٤) وابن ماجه (٢/ ١١٢١) رقم (٣٣٨٠) من حديث ابن عمر ومن حديث أنس أخرجه الترمذي (٢/ ٥٨٠ رقم ٣٣٨٠) وابن ماجه (٢/ ١١٢٢ رقم ٣٣٨١) قال الترمذي: غريب من حديث أنس. وصححه ابن الملقن في البدر المنير (٨/ ٧٠٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>