للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَلِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْ الكِتَابَةِ عِتْقُهُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إِثْبَاتُهُ فَتَبْطُلُ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَثْبُتَ بَعْدَ المَمَاتِ مَقْصُودًا أَوْ يَثْبُتَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مُسْتَنِدًا، لَا وَجْهَ إِلَى الأَوَّلِ، لِعَدَمِ المَحَلِّيَّةِ، وَلَا إلَى الثَّانِي، لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْأَدَاءُ، وَلَا إلَى الثَّالِثِ لِتَعَذُّرِ الثُّبُوتِ فِي الحَالِ وَالشَّيْءُ يَثْبُتُ ثُمَّ يَسْتَنِدُ.

وَلَنَا: أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ المَوْلَى فَكَذَا بِمَوْتِ الْآخَرِ، وَالجَامِعُ بَيْنَهُمَا الحَاجَةُ إِلَى إِبْقَاءِ العَقْدِ لِإِحْيَاءِ الحَقِّ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ حَقَّهُ أَكَدُ مِنْ حَقِّ الْمَوْلَى حَتَّى لَزِمَ العَقْدُ فِي جَانِبِهِ،

قوله: (لعدم المحلية) إذ الميت ليس بمحل لإنشاء العتق ولا لتعليقه.

قوله: (لفقد الشرط) وهو الأداء؛ لأن المعلق بالشرط لا يسبق الشرط، وهذا بخلاف موت المولى، فإن العقد يبقى ويعتق بالأداء إلى ورثته؛ لأن المولى ليس بمعقود عليه بل هو عاقد والعقد يبطل بهلاك المعقود عليه لا بموت العاقد، والميت يجوز أن يكون معتقا، ولا يجوز أن يكون معتقا. ألا ترى أنه لو قال لعبده: أنت حر بعد موتي، يصح؟

ولو قال: أنت حر بعد موتك، يلغو؟ وكذا لو أوصى أن يعتق عنه عبده بعد موته يصح ويكون المولى هو المعتق حتى يكون الولاء له.

قوله: (ولنا أنه) أي: عقد الكتابة (عقد معاوضة)، ويحترز به عن النكاح والوكالة وغيرهما ولا يبطل بموت المتعاقدين، وقيد به احترازا عن الإجارة فإنها عقد معاوضة، ويبطل بموت أحد المتعاقدين والكتابة لا تبطل بموت المولى، فكذا بموت الآخر وهو العبد كالمبيع، وهذا لأن قضية المعاوضة المساواة بين العاقدين، فإذا جاز إبقاء العقد بعد موت المولى لحاجته إليه ليصل إلى مقصوده وهو الولاء، فكذا يجوز إبقاء العقد بعد موت المكاتب لحاجته ليصل إلى مقصوده وهو شرف الحرية، بل أولى؛ لأن الذي استحق المولى قبله ليس بلازم حتى لو عجز نفسه يبطل حقه، والذي استحقه المكاتب لازم حتى لو أراده المولى أن يبطله، ليس له ذلك، فإذا لم يبطل حق المولى بموته فحق المكاتب وأنه ألزم أولى أن يبطل.

<<  <  ج: ص:  >  >>