اعْلَمْ أَنَّ الإِقْرَارَ إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الحَقِّ، وَأَنَّهُ مُلْزِمٌ لِوُقُوعِهِ دَلَالَةٌ؛ أَلَا تَرَى كَيْفَ أَلْزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَاعِزًا ﵁ الرَّحْمَ بِإِقْرَارِهِ وَتِلْكَ المَرْأَةَ بِاعْتِرَافِهَا. وَهُوَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ لِقُصُورِ وِلَايَةِ الْمُقِرِّ عَنْ غَيْرِهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ.
وَشَرَطُ الحُرِّيَةَ لِيَصِحَ إِقْرَارُهُ مُطْلَقًا، فَإِنَّ العَبْدَ المَأذُونَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُلْحَقًا بِالحُرِّ فِي حَقِّ الإِقْرَارِ، لَكِنَّ المَحْجُورَ عَلَيْهِ لَا يَصِحُ إِقْرَارُهُ بِالمَالِ وَيَصِحُ بِالحُدُودِ وَالقِصَاصِ، لِأَنَّ إِقْرَارَهُ عُهِدَ مُوجِبًا لِتَعَلَّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ وَهِيَ مَالُ المَوْلَى، فَلَا يُصَدَّقُ
فَارْجُمُها» (١) فلما جعل الإقرار حجة في الحدود التي تدرأ بالشبهات؛ فَلَأَنْ يكون حجة في غيرها أولى، وعليه إجماع الأمة.
والدليل المعقول: أن الإقرار خبر محتمل للصدق والكذب فيرجح جانب الصدق؛ لأنه غير متهم فيه، فإن المال محبوب المرء طبعًا، فلا يقر لغيره كاذبًا مع كمال عقله ودينه وطبعه والزواجر شرعًا عن الكذب.
قوله: (إخبار عن ثبوت الحق لا إثبات كما بينا.
وفي المحيط: ولهذا لو أقرَّ بخمر للمسلم يصح ويؤمر بتسليمها إذا طلب استرداده، ولو أقر بخمر مستهلكة له لا يصح؛ لأنه لا يجب للمسلم يد الخمر.
(لوقوعه دلالة) أي: لوقوع الإقرار دلالة على وجود المخبر به.
قوله: (وتلك المرأة) وهي الغامدية، امرأة من غامِدٍ، حَيٌّ من الأَزْدِ.
قوله: (وهو حجة قاصرة) بخلاف البينة، فإنها تصير حجة بالقضاء، وله ولاية نفسه دون غيره فيقتصر عليه، حتى لو أقرَّ بمجهول الأصل بالرق جاز ذلك على نفسه وماله، ولم يصدق على أولاده وأمهاتهم ومدبريه ومكاتبيه؛ لأنه قد ثبت حق الحرية أو استحقاق الحرية، فلا يصدق عليهم.
وقوله: (لأن إقراره) أي: إقرار العبد المحجور (عهد) أي: عرف (موجبا تعلق الدين) متصل بقوله: (لا يصح إقراره بالمال).
(وهي مال المولى) يعني: ضعفت ذمته بالرق، فانضمت إليها مالية الرقبة، وهي ملك المولى، فلا يصح إقراره عليه.
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٢ رقم ٢٣١٤) ومسلم (٣/ ١٣٢٤ رقم ١٦٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.