قلنا: بدلية شهادة الفروع بحسب المشهود به لا بحسب شهادة الأصول؛ لأن الشبهة في عامة الشهادات ثبت في المشهود به: أهو حق أم لا؟ وهاهنا تثبت شبهة زائدة في نفس الشهادة أنها: هل وجدت من الأصول أم لا؟ مع الشبهة في حق الأصول، والاحتراز عنه ممكن في بجنس الشهود، فيعتبر فيما يسقط بالشبهات، ثم هذه الشبهة في شهادة الفروع تمكنت باعتبار بدلية الفروع للأصول في حق المشهود به لم يعاينوه؛ لأن الفروع بدل من الأصول. إليه أشار في الأسرار (١).
قوله:(فيها زيادة احتمال)، يعني تهمة الكذب في الأصول والفروع؛ لعدم عصمتهم كما ذكرنا، وفي الفروع تهمة زائدة، وهي تهمة عدم السماع من الأصول، كالحدود والقصاص، فالشافعي (٢) في قول يوافقنا في الحدود لا في القصاص؛ لأنه قال: حجة في حقوق العباد أجمع العقوبات وغير العقوبات؛ لا في الحدود الخالصة لله تعالى.
فإن قيل: ذكر في المبسوط (٣) أن الشاهدين لو شهدا على شهادة شاهدين أن قاضي كذا ضرب فلانًا حدًا في قذف - تقبل، حتى ترد شهادة فلان.
قلنا: المشهود به فعل القاضي لا نفس الحد، وفعل القاضي مما يثبت بالشبهات، وإنما الذي لا يثبت مع الشبهات الأسباب الموجبة للعقوبة، وإقامة القاضي حد القذف ليس بسبب موجب للعقوبة.
فإن قيل: أليس أن إقامة الحد مسقط للشهادة بطريق العقوبة.
قلنا: ولكن رد شهادته من تمام حد، فيكون ما هو السبب الموجب للحد وهو القذف.
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٨٥)، فتح القدير (٧/ ٤٦٣). (٢) انظر: الأم (٧/ ٥٣)، الحاوي الكبير (١٧/ ٢٢١). (٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٣٩).