للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الفِسْقَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ، لِأَنَّ لَهُ الدَّفْعَ بِالتَّوْبَةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الإِلْزَامُ، وَلِأَنَّهُ هَتْكُ السِّرِّ، وَالسَّتْرُ وَاجِبٌ وَالإِشَاعَةُ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ ضَرُورَةَ إِحْيَاءِ الحُقُوقِ وَذَلِكَ فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ، إِلَّا إِذَا شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِ المُدَّعِي بِذَلِكَ تُقْبَلُ لِأَنَّ الإِقْرَارَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُكْمِ.

قَالَ: (وَلَوْ أَقَامَ المُدَّعَى عَلَيْهِ البَيِّنَةَ أَنَّ المُدَّعِيَ اسْتَأْجَرَ الشُّهُودَ لَمْ تُقْبَلْ) لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى جَرْحٍ مُجَرَّدٍ، وَالاسْتِنْجَارُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَيْهِ فَلَا خَصْمَ فِي إِثْبَاتِهِ، لِأَنَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ، حَتَّى لَوْ أَقَامَ المُدَّعَى عَلَيْهِ البَيِّنَةَ أَنَّ المُدَّعِيَ اسْتَأْجَرَ الشُّهُودَ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ لِيُؤَدُّوا الشَّهَادَةَ وَأَعْطَاهُمْ العَشَرَةَ مِنْ مَالِي الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ تُقْبَلُ، لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَثْبُتُ الجَرْحُ بِنَاءً عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا أَقَامَهَا عَلَى

(ولو أقام رجل) أي: المدعى عليه (البينة أن المدعي استأجر الشهود) لأداء الشهادة (لم تقبل؛ لأنه على جرح مجرد) (١).

وقوله: (والاستئجار) إلى آخره: جواب سؤال مقدر، بأن يقال: قول المدعى عليه أن المُدّعي استأجرهم ليس بجرح مجرد؛ بل فيه إثبات أمر زائد وهو الاستئجار، وهو حق المدعي فيثبت الجرح في ضمنه.

فأجاب عنه بأن الاستئجار (أمرًا زائدًا عليه) أي: على الجرح المجرد؛ لكن لا خصم في إثباته إذ لا تعلق له بالأجرة، فيبقى جرحًا مجردًا.

فإن قيل: ينبغي ألا تقبل هذه الشهادة في هذه الصورة من وجه آخر بأن يجعل شهداء المدعى عليه مزكين لشهود المدعي، ولهذا لو شهد شاهدان أنهما عدلان وآخران على الجرح، فالجرح أولى.

قلنا: لما شهدا بأن الشهود أجراء كانوا قائلين بأنهم شهود زور، وهو نسبة الفسق؛ فوجب عليهم التعزير، فلم يصيروا معدلين والمعدل في زماننا يعلم القاضي في السر بفسق الشهود؛ احترازًا عن إشاعة الفاحشة وعن التعادي فيما بينهم، كما ذكرنا في مسائل التزكية (٢).


(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٣)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٩٩).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٣، ١٦٤)، فتح القدير (٧/ ٤٢٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>