أن يتضمن إيجاب حق من حقوق الشرع، أو من حقوق العباد، نحو: أن يشهد أن الشهود فسقة أو زناة أو أكلة الربا أو شَرَبَة خمر، وعلى إقرارهم أنهم شهدوا بالزور، أو إقرارهم أنهم أجراء في أداء هذه الشهادة، أو على إقرارهم أن المدعي مبطل في هذه الدعوى، أو على إقرارهم أن لا شهادة على المدعى عليه في هذه الحادثة، ففي هذه الوجوه لا تُقبل شهادتهم؛ لأن الشهادة إنما تُقبل على ما يدخل تحت حكم القاضي، وفي وسعه إلزامه، والفسق مما لا يدخل تحت الحكم، وليس في وسع القاضي إلزامه؛ لأنه يدفعه بالتوبة.
ولأن فيه، أي: في الشهادة على الجرح، هذا وجه الثاني من الاستحسان، وعليه الاعتماد، يعني الشاهد بهذه الشهادة صار فاسقا؛ لأن فيه إشاعة الفاحشة، وهي حرام بالنص بلا ضرورة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩]، ولهذا قالوا: المزكي ينبغي ألا يصرح بفسقه، بل يقول: لا أعلم بحاله، ولا أدري: أهو عدل أم لا؟ (١).
فإن قيل: أليس أنه ﵇ قال: «اذْكُر الفَاجِرَ بِمَا فِيهِ»(٢)؟
قلنا: هو محمول على ما إذا كان ضرورة يتعدى إلى غيره، ولا يمكن دفع الضرر عنه إلا بعد الإعلام، ولا يقال: إن فيه ضرورة، وهي كف الظالم عن الظلم بأداء الشهادة الكاذبة، وقد قال ﵇:«انْصُر أخَاكَ ظالما أو مظلومًا»(٣)؛ لأنه لا ضرورة إلى هذه الشهادة على ملأ من الناس، ويمكنه كفه عن الظلم بإخبار القاضي بذلك سرًا، إلا إذا شهدوا على إقرار المدعي أنهم فسقة، أو شهدوا بزور ونحوه؛ لأنهم شهدوا بإظهار الفاحشة عن غيرهم، فيثبت المشهود به.
وكذا الإقرار مما يدخل تحت الحكم، فيقدر القاضي على الإلزام؛ لأنه لا يرتفع بالتوبة.
(١) انظر: البناية شرح الهداية (٩/ ١٦٢، ١٦٣)، فتح القدير (٧/ ٤٢٦، ٤٢٧). (٢) أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٣٠) من حديث معاوية بن حيدة ﵁. وضعفه ابن عدي، وقال: قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر. (٣) أخرجه الباري (٣/ ١٢٨ رقم ٢٤٤٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.