للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَذَلِكَ بِالعِلْمِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَصَارَ كَالبَيْعِ.

رواية إن كان في غاية الشهرة، وقال بعض أصحاب الشافعي (١): لا يجوز في النكاح، وبه قال مالك (٢) في رواية.

قوله: (فصار كالبيع) يعني إذا سمع من ثقة أن فلانا باع، ولم يشاهد بيعه - لا يسع للسامع الشهادة، كذا هاهنا؛ لأن الشهادة لا تجوز إلا بعلم، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] والعلم يستفاد بالمعاينة أو بالخبر المتواتر، فأما التسامع لا يفيد العلم، فلا يجوز العمل به، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].

وجه الاستحسان تعامل الناس في ذلك، ألا ترى أنا نشهد أن عمر ابن الخطاب، وأن عليا ابن أبي طالب، ونشهد أن فاطمة زوجة علي، وأن عائشة بنت أبي بكر، وأن شريحا كان قاضيا، ونشهد أنهم قد ماتوا، ولم ندرك شيئا من ذلك!

ثم هذه الأسباب يقترن بها ما يشتهر، فإن النسب يشتهر بالتهنئة، والموت بالتعزية، والنكاح بالشهود والوليمة، والقضاء بقراءة المنشور، فنزلت الشهرة فيها منزلة العيان، بخلاف الأموال وغيرها.

ألا ترى أن سبب النسب الولادة، ولا يحضرها إلا القابلة، وسبب القضاء تقليد السلطان، ولا يعاين ذلك إلا الخواص، فلو لم تجز الشهادة عليها بالتسامع أدى إلى الحرج؛ لأنه يتعلق بها أحكام تبقى على مر الدهور، فلو لم تجز الشهادة بالتسامع لأدى إلى الحرج أو تعطيل تلك الأحكام، بخلاف البيوع وغيرها، فإنه كلام يسمعه كل أحد، وسبب الملك هو اليد، وهو مما يعاينه كل أحد، ولهذا قلنا في الصحيح: إن الشهادة على أصل الوقف بالتسامع تجوز، وعلى شرائطه لا تجوز؛ لأن أصل الوقف يشتهر دون شرائطه، فلا بد للشاهد من نوع علم. كذا في المبسوط (٣).


(١) انظر: الحاوي الكبير (١٧/٣٩)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٦٠٨).
(٢) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٦٣)، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة (٣/ ١٠٥٠).
(٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٤٩، ١٥٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>