للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَلِأَنَّ فِيهَا شُبْهَةَ البَدَلِيَّةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ

وَمِنهَا الشَّهَادَةُ بِبَقِيَّةِ الحُدُودِ وَالقِصَاصِ، تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ)

قوله: (ولأن فيها) أي: في شهادة النساء (شبهة البدلية) أي: من حيث الصورة، قال: ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وليس ببدل حقيقة، حتى يجوز العمل بشهادة النساء مع الرجال مع القدرة على استشهاد الرجلين، وحقيقة البدليّة غير محتملة في الحدود، حتى لا تقبل الشهادة على الشهادة فيها، فكذلك شبهة البدلية اعتبارًا للشبهة بالحقيقة؛ لأن الشبهة فيما يسقط بالشبهات كالحقيقة، وحكي عن مالك (١) أنه لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إلا عند عدم الرجلين؛ نظرًا إلى ظاهر الآية، فحينئذ في شهادتهن حقيقة البدلية.

قوله: (ببقية الحدود) كحد الشرب والسرقة (تقبل فيها) أي: بقية الحدود والقصاص (شهادة رجلين) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].

وعن الحسن البصري: لا يقبل في القتل إلا أربعة كالزنا، وعن عطاء: تقبل فيها شهادة النساء، كما ذكرنا.

وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ وارد في المداينات، فلا يكون حجة في الحدود والقصاص.

قلنا: فيه شيئان: اشتراط عدد الاثنين، فلما اختص باب الزنا بأربع من الرجال كما ذكرنا لا يلحق به غيره في حق العدد بالقياس؛ لأن القياس لا يجري في المقادير والأعداد، ولا في الحدود، ولا مساواة في الزنا وغيره من الكبائر؛ لأن الزنا موجب للعقوبة به، بخلاف سائر الكبائر، مع أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، حتى إن الآية جعلت حجة في غير المداينات من الحقوق، سواء كان مالا أو غير مال، فكذا في الحدود، وثبت اشتراط الذكورة بحديث الزهري والإجماع كما ذكرنا (٢).


(١) انظر: المونة (٢/ ٩٤)، (٤/٩)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٤/ ٢٤٨).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٤، ١١٥)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٠٥، ١٠٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>