للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

إِقَامَةِ الحَدِّ وَالتَّوَقِّي عَنْ الهَتْكِ (وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ لِلَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ: «لَوْ سَتَرْته بِثَوْبِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» وَقَالَ : «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» وَفِيمَا نُقِلَ مِنْ تَلْقِينِ الدَّرْءِ عَنْ النَّبِيِّ وَأَصْحَابِهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ السَّتْرِ (إِلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَشْهَدَ بِالمَالِ فِي السَّرِقَةِ فَيَقُولُ: أَخَذَ) إِحْيَاءٌ لِحَقِّ المَسْرُوقِ مِنهُ (وَلَا يَقُولُ: سَرَقَ) مُحَافَظَةٌ عَلَى السَّتْرِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ ظَهَرَتْ السَّرِقَةُ لَوَجَبَ القَطْعُ، وَالضَّمَانُ لَا يُجَامِعُ القَطعَ فَلَا يَحْصُلُ إِحْيَاءُ حَقْهِ.

(وَالشَّهَادَةُ عَلَى مَرَاتِبَ: مِنهَا الشَّهَادَةُ فِي الزِّنَا، يُعْتَبَرُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ مِنْ الرِّجَالِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِّسَآبِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] (وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ) لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ : مَضَتْ السُّنَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ وَالخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ،

موصوف بالغنى والكرم، وليس فيه خوف فوت حقه، فجاز لذلك أن يختار الشاهد جانب الستر (١).

قوله: (ولا تقبل شهادة النساء فيها) أي: في فاحشة الزنا، وعن عطاء وحماد بن سليمان أنه تقبل، حتى لو شهد ثلاثة رجال في الزنا وامرأتان يقبل؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَاشْهَدُوا﴾ [الطلاق: ٢] الآية، وما ذكرتم من النصوص فيها بيان جواز العمل بهذا العدد، وليس فيها نفي الجواز بدون وصف الذكورة.

قلنا: فإذا قبلت شهادة النساء مع ثلاثة رجال لم يبق لقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِّنكُمْ﴾ فائدة، كذا قيل، والأولى التمسك بحديث الزهري، فإنه قال: «مَضَتْ السَّنَة مِنْ لَدُن رسُول الله والخَليفَتَيْنِ» إلى آخره، وإنما خص الخليفتين أبا بكر وعمر بالذكر؛ لأن تمهيد قواعد الشرع وإظهار طرق الأحكام كان أكثر في خلافتهما (٢).


(١) انظر: فتح القدير (٧/ ٣٦٨)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (٧/ ٥٩).
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١٦/ ١١٣، ١١٤)، فتح القدير (٧/ ٣٦٩، ٣٧٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>