واستأجر دواب لهم فركبوا وذهبوا لم تقبل شهادتهم، وفيه نظر بأن العادة جرت بإعطاء الدابة للشاهد، خصوصًا إذا لم يكن له دابة، ولو امتنع من أدائها؛ فإن كان في الصك غيره ممن تقبل شهادتهم يسعه أن يمتنع، ولو لم يكن في الصك جماعة ممن تقبل شهادتهم، أو كانوا لكن ممن لا يظهر الحق بشهادتهم، أو كان يظهر لكن شهادته أسرع قبولا - لا يسعه الامتناع؛ لأنه عسى يضيع حق المشهود له.
وقال أبو بكر: ولو علم أن القاضي لا يقبل شهادته نرجو أن يسعه الامتناع. وقال شيخ الإسلام: لو أخر الشهادة بعد الطلب بلا عذر ظاهر، ثم أدى - لا تقبل شهادته؛ لأنه لما ترك الأداء مع إمكان الأداء، فقد احتمل أنه ترك لعذر بأن نسي أو كان له شغل مانع، واحتمل أنه ترك لأنه أراد الأجر على الأداء، فيمكن في شهادته نوع تهمة، والتهمة مانعة عن القبول. الكل من الذخيرة (١).
قوله:(لأنه) أي: الشاهد (بين حسبتين) والحسبة ما ينتظر به الأجر في الآخرة، وفي الصحاح (٢): احتسب بكذا أجرًا عند الله، والاسم الحسبة، بالكسر، وهي الأجر، والجمع: الحِسَب، وفلان مُحتسب البلد، ولا يقال محسب.
فإن قيل: هذا الذي ذكره معارض لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وتقييد المطلق لا يجوز بخبر الواحد.
قلنا: لأنه محمول على الشهادة في حقوق العباد بدليل سياق الآية، وهي آية المداينة، وبالإجماع (٣)، وبالنص، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [النور: ١٩].
والمعنى أن الستر والكتمان إنما يحرم لخوف فوت حق المدعي المحتاج إلى إحياء حقه من الأموال وغيرها، فأما الحدود حقوق الله تعالى، والله تعالى
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٨/ ٢٩٢، ٢٩٣). (٢) الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (١/ ١١٠). (٣) انظر: المحلى (١٢/٤٤).