للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يكون أمرًا بضده إذا كان له ضد مقصود بأمر آخر، وهاهنا كذلك؛ لأن الأداء منصوص بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، مع أن لهذا النهي ضدا واحدًا.

وإنما خص القلب وإن كانت الجملة آثمة؛ لأنه رئيس الأعضاء والمضغة التي «إنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدِ كُلُّه، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ كُلُّهُ» كما جاء في الحديث (١)، فكأنه قيل: قد تمكن الإثم في أصله، وملك أشرف شيء منه، ولأن أفعال القلوب أعظم من سائر الجوارح، فأصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب - بان أنه من أعظم الذنوب.

وفي المجتبى عن الفضلي: تحمّل الشهادة فرض على الكفاية كأدائها، وإلا لضاعت الحقوق، وعلى هذا الكاتب، إلا أنه يجوز أخذ الأجرة على الكتابة دون الشهادة فيمن تعين لأدائها بإجماع الفقهاء (٢)، وكذا فيمن لم يتعين عندنا، وبه قال الشافعي (٣) في قول، وفي قول لعدم تعينه عليه.

ويستحب الإشهاد في العقود، إلا في النكاح فإنه يجب، وفي الرجعة عند الشافعي (٤) وأحمد (٥)، وقد بيناه في الرجعة، ثم أداء الشهادة إنما يجب إذا كان الشاهد قريبًا إلى مجلس القضاء، فإن كان بعيدًا؛ إن كان بحال لو حضر مجلس الحكم وشهد يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه - يجب الحضور عليه؛ لأنه لا ضرر عليه في الحضور، وإن كان لا يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه - لا يجب عليه الحضور، ولو كان الشاهد شيخًا كبيرًا أو ضعيفًا لا يقدر على المشي، فيكلف المشهود له بدابة يركبها فلا بأس به، فإن هذا من إكرام الشهود.

وعن أبي سليمان الجوزجاني: لو أخرج الشهود إلى ضيعة اشتراها،


(١) أخرجه البخاري (١/٢٠ رقم ٥٢)، ومسلم (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير .
(٢) انظر: المغني (١٠/ ١٣٩).
(٣) انظر: الحاوي الكبير (١٧/ ٥٦)، نهاية المطلب في دراية المذهب (١٨/ ٢٢٦).
(٤) انظر: الأم (٧/ ٨٨، ٨٩)، الحاوي الكبير (١٠/ ٣١٩).
(٥) انظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٠)، كشاف القناع على متن الإقناع (٥/٣٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>