قوله:(تَلْقِينُ الشَّاهِدِ) أي: يكره أن يقول القاضي للشاهد شيئًا يستفيد الشاهد به علمًا؛ بل يدع الشاهد حتى يشهد بما عنده، ولا خلاف للأئمة الثلاثة (١) إلا عن الشافعي (٢) في وجه كما قال أبو يوسف.
والخلاف فيمن استولته الحيرة أو الهيبة، وترك شرطًا من شرائط الشهادة، فيعينه القاضي بقوله: أتشهد بكذا وكذا، ولا يقول له: اشهد بكذا، أما إذا كان في موضع التهمة بأن ادعى المُدّعِي ألفًا وخمسمائة والمدعى عليه ينكر الخمسمائة وشهد الشاهد بالألف، فالقاضي يقول: يحتمل أنه أبرأ الخمسمائة، واستفاد الشاهد علما بذلك، ووفقه في شهادته كما وفق القاضي، فهذا لا يجوز بالاتفاق، كما في تلقين أحد الخصمين.
قوله:(واستحسنه أبو يوسف في غير موضع التهمة)، وقد بينا موضع التهمة.
وفي المبسوط (٣): ما قالا عزيمةٌ؛ لأن القاضي منهي عن اكتساب ما يجر إليه تهمة الميل، وما يكون فيه إعانة لأحد الخصمين إما صورة أو معنى، وتلقين الشاهد لا يخلو من ذلك، ومذهب أبي يوسف رخصه، فإنه لما ابتلي بالقضاء شاهد من التحير عند أداء الشهادة، فإن لمجلس القاضي هيبة وللقاضي حشمة، ومن لم يقتدر على التكلم في مثل هذا المجلس يتعذر عليه البيان إذا لم يُعنه القاضي على ذلك، فيكون ذلك من باب التعاون على أداء الشهادة، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال ﵇:«أَكْرِمُوا الشُّهودَ فَإِنَّ الله تعالى يُحْيِي بِهِمِ الحُقُوق»(٤)، وهذا القدر من التلقين يرجع إلى إكرامه.
(•) الراجح: قول أبي يوسف. (١) انظر: الذخيرة (١٠/ ١٧٤)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/ ١٨١)، الأم (٦/ ٢٣٢)، الحاوي الكبير (١٦/ ٢٧٨)، الكافي فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٣٥)، المغني (١٠٧٣). (٢) انظر: الحاوي الكبير (١٦/ ١٧٨). (٣) المبسوط للسرخسي (١٦/ ٨٧). (٤) أخرجه العقيلي في الضعفاء (١/ ٦٤)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (١/ ١٦١ رقم ١٩٩)، =