للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَنَّ الوُقُوفَ عَلَيْهِمَا مُتَيَسِّرٌ، وَإِذَا ابْتَنَى القَضَاءُ عَلَى الحُجَّةِ وَأَمْكَنَ تَنفِيذُهُ بَاطِنًا بِتَقْدِيمِ النِّكَاحِ نَفَذَ قَطعًا لِلمُنَازَعَةِ، بِخِلَافِ الأَمْلاكِ المُرسَلَةِ، لِأَنَّ فِي الأَسبَابِ تَزَاحُمًا فَلَا إمكَانَ.

محدودين في قذف؛ لأن الوقوف على هذه الأشياء ممكن، فإن العبيد يعرفون بسيماهم، وكذا المحدود في القذف لإقامة الحد على ملأ من الناس، وللكفار في دار الإسلام علامات يعرفون بها، وهذا معنى قوله: (لأن الوقوف عليها متيسر).

وبخلاف الأملاك المرسلة؛ أي: المطلقة عن بيان سبب الملك؛ لأن الملك لا بد له من سبب؛ لأن الملك من الحوادث، وفي الأسباب تزاحم، ولا دليل لتعيين بعض الأسباب، فلا يمكن القضاء بالملك بسبب سابق على القضاء بطريق الاقتضاء، فلا يخاطب القاضي بذلك؛ لعدم الدليل، وإنما يقضي باليد، ولا يلزم من ثبوت اليد الملك حقيقة.

وفي جامع صدر الإسلام (١): ولا يمكن القضاء بثبوت الملك قبل القضاء ضرورة إظهار الملك؛ لأنه لو ثبت الملك قبله يثبت بعوض أو غير عوض، ولا وجه للأول؛ لأنه ليس بعض الأعواض أولى من بعض، فلم تتعين جهة التصحيح من هذا الوجه، ولا وجه للثاني أيضا؛ لأنه لا ولاية للقاضي في تمليك مال الغير بغير عوض، بخلاف النكاح؛ فإن له ولاية تزويج اليتامى، فأمكن تصحيح القضاء به.

ولأبي حنيفة أيضا: ما روي أن رجلا ادعى على امرأة نكاحا بين يدي عليٍّ ، وأقام شاهدين بمقتضى النكاح بينهما، فقالت: إن لم يكن بد يا أمير المؤمنين فزوجني، فقال عليٌّ : شاهداك زوجاك، ولم يعقد بينهما بالقضاء باطنا لما امتنع من تجديد العقد عند طلبها، ورغبة الزوج فيها، وقد كان في ذلك تحصينها من الزنا، وصيانة لمائه، فكان الشهود زورا بدليل القصد.

وفي الهبة والصدقة عن أبي حنيفة روايتان: في رواية ألحقها بالأنكحة والأشربة؛ من حيث إنها تحتاج إلى الإيجاب والقبول، وفي رواية ألحقها بالأملاك المرسلة؛ لما ذكرنا أن لا ولاية للقاضي على تمليك مال الغير بغير عوض.


(١) انظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (٢/ ١١٦)، وفتح القدير للكمال بن الهمام (٣/ ٢٥٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>