كل من أعطى شيئًا: مَنَحَ، فعلم أن العارية معناه اللغوي، والشرع مبني عليه، ولكن إذا نوى التمليك يثبت لأنه يحتمله.
قوله: (داري لك هبة ب) نصب هبة على الحال، وكذا في قوله:(سكنى هبة) بالنصب على الحال، أو بالتمييز فيهما فهي عارية، وبه قال الشافعي، ومالك، وأحمد وأكثر أهل العلم؛ لأن قوله (داري لك ظ) اهرة في تمليك الرقبة، ويحتمل تمليك المنفعة، ألا ترى أنه ﵊ مر بحائط فأعجبه فقال:«لِمَنْ هَذا؟» قال: رافع بن خديج لي استأجرته، فقال ﵊:«لا تَسْتأجِرْهُ بشَيْءٍ مِنْهُ»، ولهذا لو حلف لا أسكن دار فلان يحنث بالإجارة والإعارة، فثبت أن لام الملك تحتمل تمليك المنفعة، فكان أول كلامه محتملا تمليك السكني.
وقوله:(سكنى محكم في تمليك المنفعة)؛ لأنه لا يحتمل تمليك الرقبة، وأنه خرج تفسيرًا لأول الكلام فيعتبر به حكم أول الكلام، وصار المحكم قاضيًا على المحتمل وكأنه قال: سكنى داري لك، فيكون عارية.
قوله:(لأن العارية محكم)، ومن حق الكلام أن يقول: لأن السكنى محكم في تمليك المنفعة كما ذكره في المبسوط، فإنه ذكر: لأن السكنى محكم، ولكن ذكر بعد هذه المسائل.
وكذا لو قال: هي لك هبة عارية، أو عارية هبة فهي عارية، قدم لفظ الهبة أو أخره لأنه محتمل يجوز أن يكون مراده هبة العين، ويجوز أن يكون مراده هبة المنفعة، وقوله: عارية تفسير لذلك المبهم لأنه في نفسه محكم (١).
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ٩٦) وفيه: (وقوله: هبة سكنى، أو سكنى هبة، أو سكني صدقة، فهذا كله عارية؛ لما بينا أن قوله: سكنى تفسير للمجمل من كلامه؛ ألا ترى أنه لو قال: هي لك فاقبضها: كانت هبة، ولو قال: هي لك سكنى كانت عارية، وجعل قوله: سكني تفسيرا، وكذلك إذا زاد لفظة العُمرَى والهبة والصدقة، وإن قال: هي لك هبة عارية، أو هي عارية