للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يَصِحُ، لِأَنَّهُ إِظْهَارُ حَقٌّ ثَابِتٍ لِتَرَجُحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ، وَصَارَ كَالإِقْرَارِ لِأَجْنَبِي وَبِوَارِثٍ آخَرَ وَبِوَدِيعَةٍ مُسْتَهْلَكَةٍ لِلْوَارِثِ.

وَلَنَا: قَوْلُهُ : «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثِ وَلَا إِقْرَارَ لَهُ بِالدَّيْنِ» وَلِأَنَّهُ تَعَلَّقَ حَقُّ الوَرَثَةِ بِمَالِهِ فِي مَرَضِهِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ مِنْ التَّبَرُّعِ عَلَى الْوَارِثِ أَصْلًا، فَفِي

قوله: (لأنه) أي: الإقرار (إظهار حق ثابت) يعني إخبار عن حق لازم عليه، وحال المريض أدل على الصدق؛ لأنه حال تدارك الحقوق، فصار كحال الصحة بل أدل، فلا يثبت الحجر عن الإقرار به.

قوله: (بوارث آخر) فإن كل واحدٍ من الإقرارين يضر بالوارث المعروف (وبوديعة مستهلكة) أي: باستهلاك وديعة معروفة (للوارث) فإنه صحيح.

قوله: (والإقرار بالدين)، وفي المبسوط: هذه الزيادة شاذة، والمشهور «لا وصية لوارث» والمشهور عن ابن عمر أنه قال: إذا أقرّ المريض لغير وارث؛ جاز ذلك وإن أحاط بماله، وإن أقر لوارث؛ فهو باطل إلا أن يصدقه بقية الورثة، وبه أخذ علماؤنا؛ لأن قول واحد من فقهاء الصحابة مقدم على القياس عندنا، ولأنه أثر بعض ورثته بشيءٍ من ماله بعد تعلق حق الكل بماله فيرد، كما لو أوصى أوْ وَهَبَه، وهذا معنى قول الشيخ: (ولأنه تعلق حق الورثة) إلى آخره.

فإن قيل: حق الورثة إنما يظهر بعد الفراغ من حاجته، فإذا أقر لبعض الورثة ظهر حاجته؛ لأن العاقل لا يكذب على نفسه جزافًا، وبالمرض تزداد جهة الصدق؛ لأن الباعث الشرعية (١) ينضم إلى العقل، فيبعثه على الصدق.

قلنا: الإقرار للوارث إيصال النفع به من حيث الظاهر، وبه إبطال حق الباقين، ووجوب الدين لم يعرف إلا بقوله، وهو متهم فيه؛ لجواز أنه أراد به الإيثار بهذا الطريق حيث عجز عنه بطريق الوصية، فتوقف صحته على رضا الباقين؛ دفعًا للوحشة والعداوة، بخلاف الأجنبي؛ لأنه غير متهم فيه؛ لأنه يملك إيصال النفع إليه بطريق الوصية، ولأن تعلق حق الورثة بماله في المرض


(١) كذا في الأصول الخطية.

<<  <  ج: ص:  >  >>