وفي المبسوط (١): شاهد الزور عندنا هو المقرُّ على نفسه بذلك؛ لأنه لا تتمكن تهمة الكذب في إقراره على نفسه، ولا طريق لإثبات ذلك بالبينة عليه؛ لأنه نفي لشهادته، والبينة للإثبات دون النفي، والرجال والنساء وأهل الذمة في ذلك سواء؛ لقيام الأهلية في حقهم جميعًا فيما تتعلق به شهادة الزور.
وقال شيخ الإسلام في مبسوطه: شاهد الزور هو الذي يقر على نفسه بالكذب متعمدًا، أو يشهد بقتل رجل، ثم يجيء المشهود بقتله حيًّا حتى يثبت كذبه بيقين، فأما لو قال: غلطت أو أخطأت، أو ردت شهادته لتهمة، أو لمخالفة بين الدعوى والشهادة - لا يعزر أصلا.
وقال أبو محمد الكاتب: هذه المسألة على ثلاثة أوجه:
إما أن رجع على سبيل التوبة والندامة لا يعزّر بلا خلاف.
وإن رجع على سبيل الإصرار يعزّر بالضرب بلا خلاف.
وإن كان لا يعلم فعلى الاختلاف.
ثم قال: لو تاب شاهد الزور هل تقبل شهادته بعد ذلك؟ فعلى الوجهين؛ إن كان فاسقًا لا تُقبل؛ لأن الذي حمله على شهادة الزور فسقه، فإذا تاب وظهرت توبته فقد زال فسقه فتقبل، ولم يبين في الكتاب مدة ظهور توبته، فقال بعض المشايخ: سنة، وقيل: ستة أشهر، والصحيح أنه مفوض إلى رأي القاضي.
أما لو كان مستورًا لا تقبل شهادته أبدًا على رواية بشر عن أبي يوسف؛ لأنه لا يدرى: ما الذي حمله على شهادة الزور؟ فكان حاله قبل التوبة وبعده سواء. وروى أبو جعفر عن أبي يوسف أنه يقبل، قالوا: والفتوى على هذا. كذا ذكره المحبوبي في جامعه (٢).
قوله:(وَسَخَّمَ) بالحاء المهملة، من الأَسْحَم: الأسود. ذكره في
(*) الراجح قول أبي حنيفة. (١) المبسوط للسرخسي (١٦/ ١٤٥، ١٤٦). (٢) انظر: العناية شرح الهداية (٧/ ٤٧٧)، البناية شرح الهداية (٩/ ١٩٨).