للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَالجَهَالَةُ مُتَحَمَّلَةٌ تَبَعًا كَمَا فِي المُضَارَبَةِ (وَلَا تَنعَقِدُ إِلَّا بِلَفظَةِ المُفَاوَضَةِ) لِبُعدِ شَرَائِطِهَا عَنْ عِلمِ العَوَامِ، حَتَّى لَو بَيَّنَّا جَمِيعَ مَا تَعتَضِيهِ تَجُوزُ لِأَنَّ المُعتَبَرَ هُوَ المَعنَى. قَالَ: (فَتَجُوزُ بَينَ الحُرَّينِ الكَبِيرَينِ، مُسلِمَينِ أَوْ ذِمِّيِّينِ، لِتَحَقُّقِ التَّسَاوِي، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كِتَابِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا تَجُوزُ أَيضًا) لِمَا قُلْنَا (وَلَا تَجُوزُ بَينَ الحُرِّ وَالمَملُوكِ وَلَا بَينَ الصَّبِيِّ وَالبَالِغِ) لإنعِدَامِ المُسَاوَاةِ، لِأَنَّ الحُرَّ البَالِغَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ وَالكَفَالَةَ، وَالمَملُوكُ لَا يَمْلِكُ وَاحِدًا مِنهُمَا إِلَّا بِإِذنِ المَولَى، وَالصَّبِيُّ لَا يَمْلِكُ الكَفَالَةَ وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ إِلَّا بِإِذْنِ الوَلِيِّ.

قَالَ: (وَلَا بَينَ المُسلِمِ وَالكَافِرِ) وَهَذَا قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَجُوزُ لِلتَّسَاوِي بَينَهُمَا فِي الوَكَالَةِ وَالكَفَالَةِ (*)، وَلَا مُعتَبَرَ بِزِيَادَةِ تَصَرُّف يَمْلِكُهُ أَحَدُهُمَا كَالمُفَاوَضَةِ … ... .

وقوله: (والجهالة متحملة تبعا) جواب عن جهة القياس، يعني: كم من شيء يثبت ضمنا ولا يثبت قصدًا؟ فإن الوكالة بمجهول الجنس لا تثبت قصدًا وتثبت ضمنا بالإجماع، كما في المضاربة وشركة العنان، ولأن المقصود من المضاربة تحصيل الربح، وهذا المقصود لا يفوت بجهالة المشتري، وكذا الكفالة للمجهول لا تثبت قصدا وتثبت ضمنا، وضرورة المساواة، إذ المفاوضة تقتضي المساواة في النفع والضرر، ومن ضرورتها الكفالة للمجهول. كذا في المبسوطين.

ولأن الجهالة مبطلة باعتبار المنازعة لا بذاتها، ولا منازعة هاهنا.

قوله: (لبعد شرائطها)؛ أي: شرائط المفاوضة (عن علم العوام) فإن أكثر الناس لا يعرفون جميع أحكامها، ولهذا اشتبه على مجتهد، فلا يتحقق الرضا منهما بحكم المفاوضة قبل علمهما، فنجعل تصريحهما بلفظ المفاوضة قائما مقام ذلك كله؛ لأن المعتبر هو المعنى لا اللفظ، ولهذا تجعل الكفالة بشرط براءة الأصل حوالة والحوالة بشرط ضمان الأصل كفالة.

قوله: (لما قلنا)؛ وهو تحقق التساوي؛ إذ الكفر كله ملة واحدة عندنا.


(*) الراجح: قول أبي حنيفة ومحمد.

<<  <  ج: ص:  >  >>