للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المُحَارَبَةِ، وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَكُونَ البَعضُ رِدْءًا لِلبَعضِ، حَتَّى إِذَا زَلَّت أَقْدَامُهُم انحَازُوا إِلَيهِم، وَإِنَّمَا الشَّرطُ القَتلُ مِنْ وَاحِد مِنهُم وَقَدْ تَحَقَّقَ. قَالَ: (وَالْقَتْلُ وَإِنْ كَانَ بِعَصًا أَوْ بِحَجَرٍ أَوْ بِسَيْفٍ فَهُوَ سَوَاءٌ) لِأَنَّهُ يَقَعُ قَطعًا لِلطَّرِيقِ بِقَطْعِ المَارَّةِ (وَإِنْ لَم يَقتُل القَاطِعُ وَلَم يَأخُذ مَالًا، وَقَدْ جَرَحَ، أقتُصَّ مِنْهُ فِيمَا فِيهِ القِصَاصُ، وَأُخِذَ الأَرسُ مِنْهُ فِيمَا فِيهِ الأَرسُ وَذَلِكَ إِلَى الأَولِيَاءِ) لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي هَذِهِ الجِنَايَةِ فَظَهَرَ حَقُّ العَبْدِ وَهُوَ مَا ذَكَرنَاهُ فَيَستَوفِيهِ الوَلِيُّ (وَإِنْ أَخَذَ مَالًا ثُمَّ جَرَحَ، قُطِعَت يَدُهُ وَرَجلُهُ وَبَطَلَت الجِرَاحَاتُ) لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الحَدُّ حَقًّا لِلَّهِ سَقَطَت عِصْمَةُ النَّفْسِ حَقًّا لِلعَبدِ كَمَا تَسْقُطُ عِصْمَةُ المَالِ وَإِنْ أُخِذَ بَعدَ مَا تَابَ وَقَدْ قَتَلَ عَمدًا، فَإِنْ شَاءَ الأَوْلِيَاءُ

وقال الشافعي: يحدُّ المباشِرُ لَا الرّدْءُ؛ لأنه جزاء الفعل كحد الزنا فلا يجب على غير المباشر.

وقلنا: حد يتعلق بالمحاربة فيستوي فيه الرِّدْءُ والمباشر، كاستحقاق السهم في الغنيمة، والرِّدْءُ باشر السبب، وهو المحاربة، وقطع الطريق يكون هكذا عادة؛ بأن يباشر البعض ويترصد البعض للدفع فيحصل قطع الطريق بالكل؛ إذ لو اشتغل الكل بالقتال؛ لتعذر عليهم أخذ المال فيكون كلهم قاطع الطريق.

قوله: (انحازوا)؛ أي انضموا.

وفي الصحاح (١): انحاز القوم؛ أي انضموا تركوا مركزهم إلى آخر.

قوله: (فيستوفيه)؛ أي القصاص (الولي) أو أخذ الأرش؛ لأنه ما جاء نص في حده، فصار كما لو كان الجرح في غير قطع، وبه قالت الأئمة الثلاثة.

قوله: (فبطلت الجراحات كلها)؛ لأنه لما أقيم الحد بطلت عصمة النفس والمال؛ لأن القطع مع الضمان يجتمعان عندهم وقد مر.

قوله: (بَعْدَ مَا تَابَ) ورد المال أيضًا، وبه صرح في المبسوط، ويسقط حد المحاربة بالنص قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، ولا خلاف فيه.

وفي المبسوط (٢) والمحيط: رد المال من تمام توبتهم لتنقطع به خصومة


(١) الصحاح للجوهري (٣/ ٨٧٦).
(٢) المبسوط للسَّرَخْسِي (٩/ ١٩٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>