للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المَذْكُورِ، لِأَنَّهُ نَفِيَّ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ بِدَفْعِ شَرِّهِم عَنْ أَهْلِهَا، وَيُعَزَّرُونَ أَيضًا لِمُبَاشَرَتِهِم مُنكَرَ الإِخَافَةِ. وَشَرطُ القُدرَةِ عَلَى الامْتِنَاعِ؛ لِأَنَّ المُحَارَبَةَ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالمَنَعَةِ. وَالحَالَةُ الثَّانِيَةُ كَمَا بَيَّنَّاهَا لِمَا تَلُونَاهُ. وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ المَأْخُوذُ مَالَ مُسلِم أَوْ ذِمِّي لِتَكُونَ العِصْمَةُ مُؤَهَّدَة، وَلِهَذَا لَو قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى المُستَأْمَنِ لَا يَجِبُ القَطْعُ.

النفي يستعمل في الطرد والإبعاد والحبس ينافيه، ويروى نحو هذا عن الحسن والزهري.

وعن ابن عباس؛ أنه ينفى من بلده إلى بلد غيره، وبه قال طائفة من أهل العلم.

وقال مالك: يحبس في البلد الذي ينفى إليه كقوله في الزاني، وبه قال ابن شريح (١) من أصحاب الشافعي؛ لأن تشريدهم بدون الحبس إخراج لهم إلى مكان يقطعون الطريق ويؤذون الناس.

وقلنا: ظاهر الآية يدل على النفي من وجه الأرض، ولا يمكن أن ينفى من جميع وجه الأرض؛ لأن ذا لا يتحقق ما دام حيًّا، أو المراد عن بلده، وهو بعضها، وبه لا يحصل المقصود وهو أذاه عن الناس (٢)، أو دار الإسلام إلى دار الحرب، وفيه تعريضه على الردة وصيرورته حربيًا لنا فعلم أن المراد بنفيه عن جميع الأرض بدفع شره إلا مكان الحبس إذ المحبوس يسمى خارجا من الدنيا.

قال الشاعر: [البحر الطويل]

خَرَجْنا من الدنيا ونَحْنُ مِنَ أَهْلِها … فَلَسْنَا مِنَ الأَحْيَاء فيها ولا المَوْتَى

إذا جاءنا السجان يومًا لِحَاجَةٍ … عَجِبْنا وقلنا جاء هَذَا مِنَ الدُّنيا (٣)

وما قاله مالك من الحبس في بلد النفي فلا فائدة فيه؛ لأنه لما كان المقصود دفع شرهم وذلك بالحبس فلا يتفاوت الحبس في أي موضع كان، ولهذا لو قطع الطريق على المستأمن لا يجب القطع؛ لأن العصمة في مال


(١) كذا وقع في الأصول الخطية (شريح) بالشين المعجمة والحاء المهملة، وصوابه: (ابن سريج) بالسين المهملة والجيم المعجمة، وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج الشافعي.
(٢) كذا في الأصول الخطية، ولعل صوابها: (وهو دفع أذاه).
(٣) ذكره الجاحظ في المحاسن والأضداد (ص: ٧١).

<<  <  ج: ص:  >  >>