للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخَلَلُ فِي المَقْصُودِ وَهُوَ الاِنزِجَارُ، لِأَنَّ الجِنَايَةَ فِي نَفْسِهَا نَادِرَةُ الوُجُودِ وَمَا رَوَاهُ

وأما الثالث؛ فلأن المال غير الآدمي خلق لمصلحة الآدمي، ويجري فيه الشح والضنة، والطباع السليمة لا تضن به بل يتنفر عنه.

وأما الرابع؛ فلأنه لا يخلو؛ إما أن يكون محرزًا بالميت وهو لا يحفظ نفسه فكيف يحفظ غيره؟ أو بالقبر؛ وهو حفرة بالصحراء فلا يكون حرزًا، ألا ترى أنه لو دفن فيه مال آخر سوى الكفن لا يقطع بسرقته.

وأما الخامس؛ فلأن المقصود من الحدود الزجر، والزجر فيما يكثر لا فيما يقل وجوده، وهذه جناية يقل وجودها، فلا حاجة إلى شرع الزاجر.

وما رواه أي الشافعي غير مرفوع بل هو من كلام زياد ألا ترى أنه قال في آخره: «مَنْ قَتل عبده قتلناهُ ومَن جَدَعَ أَنْفَهُ جَدَعْنَاهُ» (١)، ولَئِنْ صح فهو محمول على أنه كان ذلك بطريق السياسة فيمن اعتاد ذلك، وللإمام ذلك إذا اعتاد سياسة، ويدل عليه أول الحديث حيث قال: «مَنْ حَرَقَ حَرَقْناهُ ومن غَرَّقَ غرقناه».

والمراد منه السياسة؛ لأنه ما أضافه إلى نفسه بل أضافه إلى الولي، ودليل آخر عليه أنه علق القطع بمجرد النبش، والقطع حدا لا يستحق بمجرد النبش بدون أخذ المال كذا في الطريقة العلانية والإسرار.

وتسميته بيتًا في حديث عبادة بطريق المجاز تشبيها بالمبني على وجه الأرض.

ألا ترى أنه تعالى سمى المسجد بيتًا مع أنه لو سرق منه لم يقطع إذا لم يكن له حافظ، ولهذا لو دفن فيه مال آخر سوى الكفن لم يقطع كما بينا؛ فعلم أنه سماه بيتًا مجازا، ولا نقول إنه مضيع؛ لأنه صرفه إلى حاجة الميت، وصرف الشيء إلى الحاجة لا يكون تضييعا ولا إحرازا كأكل الطعام، وأما حديث عائشة فالمراد في الإثم لا في الحد.


(١) أخرجه أبو داود (٤/ ١٧٦ رقم ٤٥١٥)، والترمذي (٢/ ٧٨ رقم ١٤١٤)، وابن ماجه (٢/ ٨٨٨ رقم ٢٦٦٣) من حديث سمرة بن جندب .
قال الترمذي: حسن غريب.

<<  <  ج: ص:  >  >>