يتم نعمته عليه وعلى والديه وذريته، وقد كان ديدن السلف الصالح التفرغ للعبادة عند بلوغ الأربعين (١)، متوجهين بما بقي من مال وعلم وموارد بدنية إلى اكتساب الحسنات، وسائر العمل الصالح، وذلك قبل أن تُفتح الدنيا، ويتعلق الناس بالفاني عن الباقي.
وتخصيص ثلث العمر الباقي في الطاعة ليس بدعاً من القول، فقد ورد في السنة فضل الثلث الأخير من الليل، والعشر الأواخر من رمضان وهي ثلث الشهر، وعشر من ذي الحجة وهي ثلث الشهر كذلك، وكان رسول الله ﷺ يقوم أحياناً ثلث الليل، وورد فضل التصدق بالثلث، وغير ذلك مما يدل على أفضلية التوجه بثلث موارد العبد لربه، حيث لم يُحَدد سنّ الأربعين هكذا اتفاقاً وحاشا لله فهو الثلث الأخير من العمر الذي يمثل قمّة التكوين العقلي والمالي والنفسي كما سلف القول. ومما يؤسف له، أن كثيراً ممن يبلغ تلك المرحلة العمرية اليوم يزداد نهمه في الحياة، ويتوجه بكلكله إلى دنياه، استثماراً للمزيد والمزيد في تحصيل المال والجاه، و ذلك ما حذّر منه النبي ﷺ حين قال:(مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ أَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ، وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ)(٢). فمن
(١) ينظر شرح رياض الصالحين للعثيمين (٢/ ١٣٨). (٢) أخرجه الترمذي في السنن (٤/ ٥٨٨/ ح ٢٣٧٦)، والنسائي في السنن الكبرى، (١٠/ ٣٨٦/ ح ١١٧٩٦)، وأحمد في المسند، (٢٥/ ٦٢/ ح ١٥٧٨٤)، والدارمي في السنن، (٣/ ١٧٩٥/ ح ٢٧٧٢) وقال الألباني: " صحيح" في صحيح الترمذي (٢٣٧٦ ح).